التطمينات التي منحها بوش للعاهل الاردني، وإعلانه ان ادارته ستوسع الحوار مع الفلسطينيين، وأنه سيرسل رسالة توضيحية لرئيس الحكومة الفلسطينية، وبيان اللجنة الرباعية (رغم تناقضه)، يدل على حدوث تراجع اميركي ما عن الضمانات التي منحها بوش لشارون في الرابع عشر من نيسان الماضي. "التراجع" الاميركي لم يصل الى حد سحب الضمانات لاسرائيل، فهو مجرد تطمينات، ولكنه تراجع ما كان له ان يحدث لولا الاسباب التالية:

اولاً: الغضب العربي، والذي عبر عن نفسه في بيانات الرفض والاستنكار، وفي تأجيل زيارة الملك الاردني، وتأجيل زيارة وزير الخارجية الفلسطيني. ثانياً: وهذا هو الاهم الحرج الذي وجدت فيه الادارة الاميركية بعد الصفعة القوية التي وجهها حزب الليكود لها حين قال 06% من المصوتين في الاستفتاء لا لخطة شارون رغم انها حصلت على دعم كامل من الادارة الاميركية .

ثالثاً: محاولة استعادة المصداقية الاميركية التي تبخرت لاسباب كثيرة اولها ممارسات الاحتلال ضد المقاومة العراقية وآخرها نشر صور التعذيب في سجن ابو غريب، والتي اظهرت القوات الاميركية على حقيقتها كقوات محتلة تقوم بكل ما يقوم به اي احتلال. رابعاً: محاولة انقاذ عملية السلام من الموت حيث بات واضحاً ان وعد بوش لشارون قضى عليها وأن من تداعياتها المحتملة اذا لم تحدث محاولة انقاذ انهيار السلطة الفلسطينية التي ولدت من رحم عملية السلام واتفاق اوسلو ومرشحة للموت اذا ماتت عملية السلام، فما يهم الادارة الاميركية هو بقاء عملية السلام باعتبارها مجرد عملية لا اكثر توحي بامكانية السلام دون ان تحققه، عملية توحي بوجود حركة دون حركة فعلية.

التطمينات والتوضيحات اتت، ويمكن ان تأتي لاحقاً توضيحات وتطمينات متناسبة مع درجة الغضب العربي. والغضب العربي حتى الآن لا يقترب ولا يوازي حجم وتأثير وامكانات العرب المحققة والكامنة في لعبة السياسة الشرق اوسطية في المرحلة التي تجد ادارة بوش نفسها احوج ما تكون للعرب للعب دور ما في مساعدتها للخروج من ورطتها المتفاقمة في العراق.

خطوة الى الوراء لذر الرماد في العيون عندما لا يكون لدى العرب سوى الغضب، والتمسك بعملية السلام بعد القضاء عليها، وبخارطة الطريق بعد اطلاق رصاصة الرحمة عليها، فلن يكون بمقدورهم سوى الرضى بالتطمينات الاميركية حتى لو كانت لفظية وليست عملية، واقتصرت على الحديث عن التمسك بخارطة الطريق، وبرؤية بوش المتعلقة باقامة دولة فلسطينية، وبأن قضايا الوضع النهائي يجب ان يتفاوض عليها بين الطرفين، وأن الادارة الاميركية ستكون حيادية ولن تؤثر عليها، وسترضى بما يتفق عليه الطرفان.

بالتأكيد، ان المواقف التي عبر عنها بوش، تشكل خطوة الى الوراء، بالمقارنة بوعده لشارون، وتعكس نوعا من التناقض والازدواجية في السياسة الاميركية، ولكنها ستسعى في اول فرصة سانحة لحل هذا التناقض بالانحياز لصالح الضمانات التي قدمها بوش لشارون، اذا لم تترافق او تتطور هذه المواقف الي حد سحب الضمانات الاميركية لشارون، والى اطلاق مبادرة قادرة على احياء عملية السلام بوضعها على اسس ومرجعية تستند فيها الى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتنسجم مع قرار الجمعية العامة الاخير الذي صدر يوم الخميس الماضي، والذي اكد اعتبار الاراضي الفلسطينية المحتلة العام 7691 بما فيها القدس الشرقية محتلة، وان حق السيادة عليها، واقامة دولة هو للفلسطينيين دون غيرهم، ولقد ايد هذا القرار 041 دولة وعارضه 6 دول في حين امتنعت 11 دولة عن التصويت.

قد يقول قائل ان اطلاق مثل هذه المبادرة في ظل ادارة بوش، ومع وجود حكومة في اسرائيل يترأسها شارون وتشارك فيها الاحزاب اليمينية المتطرفة، هو امر مستحيل، هذا صحيح، ولكن لو كان لدى العرب اكثر من الغضب لاصبح هذا المستحيل ممكناً. لو كان لدى العرب او لدى العواصم المؤثرة على القرار العربي، الارادة الكافية، وردة الفعل الطبيعية على الاهانات الاميركية المتكررة للعرب، وعلى تجاوز السياسة الاميركية لابسط الحقوق والمصالح الفلسطينية والعربية، لما وصلنا الى المرحلة التي انتقلت فيها ادارة بوش، بكل وقاحة من دعم اسرائيل، الى دعم الاقلية في حزب اسرائيلي يميني متطرف، عندما دعم بوش خطة شارون للفصل احادي الجانب، واعتبرها خطوة تاريخية من شأنها ان تفتح باب السلام. وقدم له مقابلها حتى قبل ان يصادق عليها في حزبه والحكومة والكنيست ضمانات وصلت الى حد نسف اسس عملية السلام ومرجعيتها والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية من خلال اسقاط حق عودة اللاجئين والموافقة على حق اسرائيل برسم حدودها النهائية بما يتجاوز خطوط الهدنة العام 9491 وبصورة تمكنها من ضم الكتل الاستيطانية، وعلى اساس مبدأ جديد اخترعه بوش يتحدث فيه عن اخذ المتغيرات والحقائق في الحسبان، ناسياً ان القانون الدولي يقوم على مبدأ ان الاحتلال باطل، وكل ما يستند الى الباطل باطل، لاننا اذا تهاونا مع مبدأ بوش واكتفينا بالتطمينات، سنجد انفسنا باستمرار امام حقائق جديدة تفرضها اسرائيل بقوة الاحتلال والاستيطان والعدوان والجدار، وبالتالي يجب علينا ان نأخذها بالحسبان عند رسم خارطة الوضع النهائي وهكذا دواليك، ما لا يبقي للفلسطينيين شيئاً سوى وعد بوش بأنه لن يتدخل في المفاوضات المتعلقة بقضايا الوضع النهائي!! ان رسالة الدبلوماسيين الاميركيين السابقين للرئيس بوش توضح الامر بجلاء حيث جاء فيها انهم قلقون للغاية من وعد بوش لشارون وتأييده لخطة الفصل، لأنها تتجاهل حقوق ثلاثة ملايين فلسطيني، وتتجاهل حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى وطنهم، كما تبقي المستوطنات غير الشرعية، وتتجاهل قرار الامم المتحدة رقم 491، كما انها تقوض خطة خارطة الطريق، وهي تمثل تحولا للسياسة الاميركية الثابتة في منطقة الشرق الاوسط.

العودة الى مبادرة السلام العربية بمقدور العرب، ان ينتهزوا فرصة تفاقم المأزق الاميركي في العراق وفلسطين، بإعادة طرح والتأكيد على مبادرة السلام العربية، لأن العودة الى الحديث عن خارطة الطريق التي ولدت ميتة، والتي لا يمكن ان تجد طريقها للحياة اذا استمرت الادارة الاميركية بالوفاء بوعدها لشارون بأنها ستأخذ الملاحظات الاسرائيلية على خارطة الطريق بالحسبان عند تطبيقها، ان الوفاء بهذا الوعد هو الذي قضى على خارطة الطريق وجعل وظيفتها الرئيسة هي القضاء على مبادرة السلام العربية وتمهيد الطريق لوعد بوش الجديد الذي اعطى فيه الرئيس الاميركي الذي لا يملك، لشارون الذي لا يستحق من الاراضي والحقوق الفلسطينية ما يقوض تماماً عملية السلام، وما يقضي تماماً على اية امكانية لقيام دولة فلسطينية.

اذا كان الغضب وتأجيل الزيارات واللقاءات احدث بعض التأثير المتناسب معه، فكيف لو استدعت الدول العربية او بعضها على الاقل سفراءها المعتمدين لدى واشنطن للتشاور من قبيل الاحتجاج على السياسة الاميركية؟ كيف لو تم تشكيل وفد عربي مشترك والتقى اصحاب القرار في واشنطن وغيرها من العواصم المؤثرة على القرار الدولي وحمل رسالة واحدة تؤكد مبادرة السلام العربية؟ كيف لو طلبت القاهرة وعمان من سفيري اسرائيل لديهما بمغادرة الاراضي المصرية والاردنية؟ كيف لو انهت العواصم العربية مجتمعة او بعضها العقود مع شركة اميركية واحدة، معروفة بعلاقتها الوثيقة مع اسرائيل او اعلنت مقاطعة سلطة اميركية واحدة؟

لكن الحكام العرب الذين لا يملكون سوى الغضب، والرفض والاستنكار حينا، والمناشدة والتوسل حيناً آخر، لا يستحقون سوى التطمينات حيناً، وعدم وضعهم بالحسبان غالباً، وهذا الواقع علينا التعامل معه، ليس بأفق تكريسه ولكن من اجل تغييره، ومن اجل ان يبقى اللاعب بالملعب قبل اخراجه كلياً.

التطمينات الاميركية ، محاولة لذر الرماد في العيون، واللعب في الوقت الضائع، في المرحلة التي تعيشها حكومة شارون، وهي مأزومة ومنقسمة ولا تدري ماذا تفعل بعد ان قال 06% من الليكود لا لخطة الفصل. فتارة يوحي شارون بأنه سيعدل الخطة او يفككها ويطبقها على مراحل، بحيث يتم وضع شروط على الفلسطينيين في كل مرحلة، ويجب تلبيتها قبل الدخول في تطبيق المرحلة اللاحقة، وتارة اخرى يوحي بأنه سيمضي بالخطة دون تعديلات جوهرية وانه سيعرضها على الحكومة والكنيست للمصادقة عليها.

تسوية شاملة ام مناورة وتارة ثالثة يوحي بأنه بصدد وضع اللمسات الاخيرة على خطة جديدة لتسوية شاملة تضع خطة الفصل من غزة كمرحلة من ضمن عدة مراحل تتضمن ايضا قيام مصر بتخصيص 006 كلم مربع من اراضي سيناء لضمها الى قطاع غزة، على ان تحصل مصر بالمقابل على اراض بديلة مساحتها 002 كلم مربع في النقب وكذلك على نفق بري يربط بين مصر والاردن ويخضع للسيادة المصرية. ،على ان يحصل الاردن على منفذ الى البحر الابيض المتوسط عبر النفق البري - ميناء غزة. كما تحصل السعودية والعراق على منفذ على البحر الابيض المتوسط بالطريقة ذاتها، ويحصل الفلسطينيون اضافة الى غزة على 98% من اراضي الضفة فيما تحصل اسرائيل على 11% من الضفة والكافية لضم الكتل الاستيطانية كما يحصل الفلسطينيون على ميناء كبير في غزة يتم تمويله من المجتمع الدولي وعلى مطار دولي كبير على مداخل رفح. وتتولى مصر والاردن والولايات المتحدة الوصاية على المناطق الفلسطينية، ويتم توقيع الاتفاق في مؤتمر للسلام ينعقد في مصر برئاسة مبارك وبمشاركة الرئيس الاميركي وقادة اوروبا وروسيا .

تسريب الانباء عن هذه الخطة، والحديث عن ان غيورا ايلاند قد بلورها وهو نفسه الذي بلور خطة الفصل، وعرضها على اميركا واوروبا وقادة الجيش الاسرائيلي، ما هو سوى مناورة من شارون يرمي فيها الى تخويف حزبه والاحزاب اليمينية المتطرفة والمستوطنين، بأنهم اذا لم يمرروا خطته للفصل من غزة او يخففوا من معارضتهم لها، فسيجدون امامهم خطة اسوأ بكثير وهذه المناورة تندرج في سياق محاولات شارون لتجاوز الهزيمة النكراء التي لحقت به، وهو اذا لم يستطع تمرير خطة الانفصال من غزة التي تحولها الى سجن كبير، وتعمق الاحتلال والاستيطان والجدار في الضفة، فكيف سيمرر تسوية شاملة. لا يمكن الحديث عن السلام الحقيقي في ظل حكومة شارون، ولا بد من اسقاط هذه الحكومة وبرنامجها، وانضاج شريك اسرائيلي لصنع السلام قبل الحديث الفارغ عن السلام، فلا يوجد شريك اسرائيلي لصنع السلام، وليس كما يدعون ان الشريك الفلسطيني هو المفقود. _ الأيام -