فكرت كثيراً في الماضي في ان يطالب العرب بوقف الهجرة اليهودية موقتاً حتى يتحقق السلام، أو ان تتم هذه الهجرة الى اسرائيل فقط وليس الى الاراضي الفلسطينية المحتلة. وكنت ككثيرين غيري يرون ان الاستيطان اليهودي ضد التسوية السلمية، لأن المستوطنين اليهود وقبل ان تطأ اقدامهم الارض المحتلة يكونون قد عُبّئوا ايديولوجياً ودينياً بأن هذه ارضهم اعطاها اليهم الرب من دون غيرهم وان عودتهم اليها عودة طبيعية، عودة مالك الى ملكية انقطع صاحبها عن ممارسة حقه فيها. وتزيد المنافع المجانية من سكن فخم وحمامات سباحة من شكر الرب على هذه النعمة التي لا يعطيها اليهم إلا لأنهم أصحاب حق.
ومنذ بداية الاستيطان عقب حرب حزيران (يونيو) عام 1967، وقف افراد ومنظمات ضد الاستيطان لكنهم لم يقفوا ضد الهجرة واستمرارها، حتى من باب ان «حق العودة اليهودي» ينطبق على الارض التي احتلها اليهود عام 1948 وانشأوا عليها دولتهم وليس على الاراضي المحتلة عام 1967. وقف العالم كله، للأسف، صراحة او ضمناً او مكتف اليدين او متفرجاً أو غير مبال أو غير مدرك، أمام النتائج الوخيمة لهذا السرطان الاستيطاني على السلام. الفلسطينيون ايضاً لم يتصدوا ديبلوماسياً لهذه الكارثة، كارثة الهجرة التي انشأت دولة اسرائيل وينتج عنها الآن وجود حوالى نصف مليون مستوطن في القدس الشرقية المحتلة والضفة وغزة. الاميركيون بعد حرب 1967 أكدوا في الامم المتحدة وخارج الامم المتحدة على لسان سفراء في المنظمة الدولية ورؤساء، ان أي حقائق جديدة على الارض لن تؤثر في التسوية وصوتت اميركا على قرارات عدة في مجلس الامن تقرّ كلها بوضوح لا لبس فيه ان هذه الارض محتلة بما فيها القدس، وان أي اجراء فيها لتغيير الواقع الديموغرافي غير شرعي وباطل. ولكن العد الاميركي التنازلي، اذ راح بدأ رؤساؤها يعتمدون اكثر على اللوبي الاسرائيلي في الانتخابات وتصاعدت قوة اسرائيل العسكرية والاقتصادية وتصلب خطابها السياسي من التسوية وازداد العرب ضعفاً والاوروبيون هلامية.
كان العرب يعتقدون ان العقبة الكأداء هي اللاجئون وانه لا مفر في مرحلة ما من ابداء المرونة بشأنهم من اجل رشوة اسرائيل لنقل مستوطنيها الى أراضيها وتسليم المستوطنات الى لاجئين عائدين من مخيمات الشتات، وقد قال ايهود باراك اننا نبني المستوطنات لتستوعب اللاجئين. وساد تصور ربما يثبت انه كان ساذجاً بأن القدس ليست هي العقبة الأصعب بعد قبول العرب بالقرارين 242 و338. كانت أميركا تريد، منذ العام 1967 ، ان تكون القدس مدينة واحدة مفتوحة للجميع ولا تعود الى الحال التي كانت عليها عام 1967 وكان هناك اعتقاد لدى اميركا بأن القدس مدينة غير محتلة، وهو اعتقاد ترافق احياناً مع عدم موافقتها على عودة اوضاع ما قبل حرب 1967، وكان الهدف منه هو الضغط على الفلسطينيين والعرب والمسلمين لكي يقبلوا بوحدة المدينة المقدسة وان تكون عاصمة مفتوحة للدولتين الفلسطينية والاسرائيلية. وكثيراً ما ربطت الولايات المتحدة بدءاً من العام 1967 بين القدس والتسوية الشاملة.
ولكن عندما يعبر مرشحو الرئاسة عن تأييدهم لنقل العاصمة الاسرائيلية من تل ابيب الى القدس ثم يصدر الرئيس، ابتداء من كلينتون، قراراً تلو الآخر بتأجيل نقل السفارة الاميركية الى القدس لمدة ستة اشهر لمصلحة اميركية غير مدرك بأن ذلك يعد الغاء لقرار التقسيم الرقم 181 الذي منح القدس وضعاً خاصاً، وانه ينتهك الشرعية الدولية بسياسته هذه ناهيك عن جزئية قد تبدو في رأيه غير جديرة بالاهتمام لأنه ايضاً من نسل المستوطنين، وهي ان الارض التي ستقام عليها السفارة الاميركية أرض مملوكة لأسرة مقدسية فلسطينية.
تظهر الولايات المتحدة اكثر واكثر على أنها غير ملتزمة تعهداتها الدولية وسيادة القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة وانها لا تحترم حقوق الفلسطينيين غير قابلة للتصرف. الآن وصلنا الى مفترق طرق حقيقي في الصراع الفلسطيني ــ الاسرائيلي، يقودنا إما الى السلام أو الى اللاسلام، وأحد أسبابه الاستيطان، والاستيطان بطبيعته ضد السلام والعدالة وحقوق الانسان ولو استشير كل ابيض في جنوب افريقيا أو استفتي لصوّت ضد المصالحة التاريخية التي انهت نظام الابارتايد واستمر الصراع في جنوب افريقيا الى اليوم. الخبرة التاريخية تقول ان الاستيطان مصيره الزوال وانه لم تجر استشارة أي اقلية استيطانية في التاريخ سواء كان ذلك في جنوب افريقيا، على رغم ان الاستيطان بدأ هناك قبل قرنين أي انه اقدم من الاستعمار اليهودي لفلسطين، أو كان في ناميبيا أم في زامبيا. بريطانيا عندما رحلت من الهند ايضاً لم تستفت الاقلية البريطانية التي عارضت استقلال الهند. ومن السابق لأوانه الحكم على الاستيطان الاسرائيلي بمجمله لكنه قد يواجه المصير نفسه.
وعندما كانت عملية السلام في ذروتها بمساريها الثنائي والمتعدد لم تكن اسرائيل تطرح موضوع الاستفتاء على المستوطنين لأن النتيجة معروفة سلفاً وهي ان هذه الطغمة الاصولية والفاشية احياناً لن تفعل ذلك من تلقاء نفسها، وقد سمعنا شمعون بيريز يقول ان اسرائيل ستنسحب في الجولان وليس من الجولان أي انها ستبقي بؤراً استيطانية هناك ولم يقل باستفتاء المستوطنين.
الآن اسرائيل ــ الغول ــ او المتغولة التي يقف رئيس روما بجانب بلدوزرها، الذي يشغل منصب رئيس وزراء، كالتابع المطيع لا تريد السلام وتستفتي حزبها الحاكم من اجل انسحاب جزئي. وعلى رغم ان الذين حضروا مؤتمر الليكود اقلية لا تتجاوز 35 في المئة فإن «الديموقراطية اليهودية» يجب ان تحترم حتى لو كانت لاستعباد الغير وسرقة حقوقه. وهكذا اصبحت «الديموقراطية اليهودية» بقرة مقدسة ليس في إسرائيل وحدها، بل في بعض الدوائر الرسمية الغربية.
هل ينبه مأزق الاستيطان الاسرة الدولية الى ان تقف وقفة واحدة ضد الهجرة اليهودية الى الاراضي المحتلة وحتى الى اسرائيل نفسها، لأن الهجرة الى الاراضي المحتلة فوق انها انتهاك لحقوق الانسان الفلسطيني في الملكية والأمن والحرية فإنها تزيد من عوامل القوة في اسرائيل التي تدفعها الى التعنت اكثر والهروب من استحقاقات السلام بحجة انها كدولة ديموقراطية يجب ان تصغي لشعبها وتلتزم بما يريد. هل تستطيع كل دولة ان تسأل كل يهودي مهاجر من ارضها الى اين سيذهب، واذا تبين لها انه ذاهب الى الاراضي المحتلة فلا تجيز له السفر واذا ادركت ان هناك تلاعباً اسرائيلياً في الموضوع فتغلق باب الهجرة نهائياً في وجه اليهود مستعينة بالقانون الدولي الذي يعلو على أي قانون وطني ويمنع الاستيطان في أرض الغير، وبالمصلحة الدولية في تحقيق السلام في المنطقة الذي اضحى المستوطنون احدى عقباته الكأداء. ليفتح العالم العيون على جريمة الاستيطان وعلى تواطئه فيها واذا كان حقا يريد السلام فقد آن الأوان لمنع الهجرة أم الاستيطان. لقد انعدمت تماماً اسباب الهجرة اليهودية بعد ان اصبح اليهودي هو القامع والقاتل وفي بلدان كثيرة شريكاً في صنع القرار، ومواطناً يتمتع بحقوق استثنائية.
ولو احيل موضوع الاستيطان الى جهة قانونية دولية فإنها ستؤيد منع الهجرة الاستيطانية، ان لم تؤيد وقف الهجرة كلية الى اسرائيل ما دامت ترفض السلام وتريد ان تكون في حالة حرب مستمرة مع العرب. وفي وسط هذا الوضع الشديد الغرابة، هل بالامكان طرح موضوع الاستيطان في الامم المتحدة كقضية من قضايا تصفية الاستعمار. ان في ذلك خدمة للسلام وليس فيه ما قد تسميه اسرائيل وشركاؤها بأنه عداء للسامية. - الحياة اللندنية -