بعد فشل شارون في اقرار خطة الفصل احادي الجانب داخل الليكود، وفي الحكومة الاسرائيلية، كان من المتوقع ان يتنافس المختلفون في اوساط اليمين المتطرف الاسرائيلي المتحكمون بالحكم في اسرائيل، في مباراة هدفها اثبات أيهم الأكثر عدوانية ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه وتطلعاته. فحتى يمكن الهروب من المأزق السياسي الناجم عن عدم اقرار خطة شارون، وعدم بلورة خطة سياسية بديلة، لا بد من تضخيم العدو الفلسطيني ومحاولة هزيمته، على أمل التقليل من الخلافات الاسرائيلية ومنع تحولها الى انقسام خصوصاً في الليكود، ولكن الذي يجرب المجرب عقله مخرب. وهزيمة شعب يناضل من اجل حريته هدف مستحيل ولكن شارون ومعارضيه داخل الليكود والحكومة، لم يكونوا يتصورون ان تصعيد العدوان العسكري هذه المرة سيكون مكلفا جداً، لدرجة تسمح بالقول ان السحر انقلب على الساحر. فالاحتلال يقصف ويغتال عن بعد أو يتقدم عبر الدبابات والمصفحات المدرعة ويريد أن تكون خسائره دائما صفرا او ما يقارب الصفر. ومثل هذا الاحتلال لم يوجد بعد.
ولن يوجد وما يجري في العراق عبرة. ان سقوط 11 جندياً وضابطاً اسرائيلياً اثناء الاجتياح لحي الزيتون في غزة، ولمدينة رفح في عمليتين نوعيتين، وخلال 42 ساعة، ادى الى حالة من الهستيريا في اسرائيل، دعوات لقصف غزة بالطائرات وعدم استخدام الجنود بمعارك ارضية ودعوات اخرى لقطع الماء والكهرباء، وتجدد ا لدعوات لقتل ياسر عرفات وابعاده، ولطرد الفلسطينيين وضم اراضيهم حتى الذين منهم يعيشون في وطنهم الاصلي داخل اسرائيل ودعوات اخرى متصاعدة للانسحاب من غزة، تنبئ بان الحركة الشعبية للمطالبة بالانسحاب من غزة على غرار ما حدث بالنسبة لجنوب لبنان على وشك الانطلاق. بل هي انطلقت فعلا من خلال دعوة حركة اربع امهات بتوجيه 06 ألف برقية لرئيس الحكومة الاسرائيلية لمطالبته بالانسحاب من غزة. والرقم 06 الف يساوي عدد الذين صوتوا في داخل الليكود ضد خطة شارون. ومن المقرر ان تنظم الاحزاب والقوى المؤيدة للفصائل للانسحاب من غزة مظاهره كبرى في ساحة رابين مساء غد الأحد، تحت شعار الاغلبية تقرر. هذا كله يترافق مع استمرار حوالي 06% من الاسرائيليين بتأييد الانسحاب من غزة حسبما تشير الاستطلاعات حتى التي اجريت بعد عمليتي حي الزيتون ورفح.
خسائر فلسطينية كبيرة وثقل أكبر
ورغم خسائر الفلسطينيين الفادحة والغالية من العدوان الأخير التي بلغت حتى كتابة هذه السطور سقوط ثلاثين شهيداً ومئات الجرحى وهدم عشرات المنازل والعمارات وتدمير الكثير من مقومات البنية التحتية في حي الزيتون ومدينة رفح وخصوصاً في مخيم يبنا، الا ان الفلسطينيين بغالبيتهم الساحقة يشعرون بالنصر، وتملؤهم الثقة أكثر من اي وقت مضى بان المقاومة إذا استخدمت في المكان والزمان المناسبين وضد الهدف المناسب واذا ترافقت مع التحرك السياسي والبرنامج الوطني والواقعي المطلوب، ومع الوحدة الوطنية ووحدة القرار والعمل، قادرة على دحر الاحتلال واقامة دولة فلسطينية مستقلة وحل مشكلة اللاجئين حلا عادلا وفقا لقرار 491.
أهمية عمليتي حي الزيتون ورفح تنبع من انهما ميزتا بصورة حاسمة، ومرة أخرى، بين المقاومة الحكيمة وذات الجدوى والمشروعة سياسيا واخلاقياً، وبين المقاومة العشوائية العمياء التي تأتي كردة فعل على الاحتلال وجرائمه، وتكون من قبيل الثأر والانتقام وردود الافعال وليست ضمن نهج دائم ومستمر يخضع للمصلحة الوطنية وحسابات الربح والخسارة. تتقدم عندما يجب التقدم وتتراجع عندما لا بد من التراجع، تكون شعبية وسلمية اساسا. ولا تستبعد الكفاح المسلح إذا لزم الأمر.
لم نسمع أية ادانة لعمليتي حي الزيتون ورفح، حتى اسرائيل التي تقوم بالرد العسكري الواسع والهمجي عليهما لم تستطع ان تدعي انها عمليات ارهابية او انها استهدفت مدنيين او حتى انهما نفذتا بمبادرة هجومية في جو هادئ وصاف، فأهمية هذه العمليات انها تندرج في سياق الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال في عدوانه العسكري وفي أنها تحظى بتأييد جماعي فلسطيني وعربي وتفهّم او تأييد دولي، فالحق في مقاومة الاحتلال بكافة الاشكال حق شرعي كفلته كافة المواثيق والشرائع الدينية والدنيوية والقانون الدولي.
التمثيل بالاشلاء مرفوض ومدان
اسرائيل التي لم تستطع ان تسوق ادعاءاتها عن "الارهاب" الفلسطيني وجدت هذه المرة ضالتها في قيام بعض الفلسطينيين بالتمثيل باشلاء الجثث امام الكاميرات محاولة الادعاء ان هذه الممارسات تعبر عن الشعب الفلسطيني ومقاومته ودينه وقيمه، في حين أنه ردة فعل عفوية مرفوضة ومدانة وتعبر عن مرتكبيها فقط. والدليل هو نهاية القصة المتمثلة بتسليم اشلاء الجثث بطريقة حضارية.
لا يمكن مقارنة هذه الأعمال المرفوضة بكل انواع الاجرام والوحشية التي يرتكبها الاحتلال الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. واحد اسباب رفضها انها تسمح باظهار ان الضحية الفلسطينية والجلاد الاسرائيلي يظهران من خلالها على قدم المساواة كمتوحشين وهمجيين. وهذا ما تريده الاوساط الاسرائيلية المؤيدة لاستمرار الاحتلال والاستيطان والعدوان، لانها من خلال اظهار الصراع بانه بين طرفين متساويين بالاعمال الاجرامية، يكون ممكناً ومبررا لها ان تحسم الصراع بالطريقة التي تناسبها. واذا كان الطرفان متساويين فبمقدور الطرف الاقوى ان ينتصر. ان قوة فلسطين في عدالة قضيتها وفي شرعية اهدافها واساليب نضالها، وقوة فلسطين في ضعفها وفي كونها ضحية للاحتلال والتوسع والعدوان والعنصرية. واذا سمحنا لعناصر قوتنا ان تفلت من ايدينا، نمكن عدونا من الحاق الهزيمة بنا.
انطلاقا مما تقدم، واضافة له، لا بد من الاشارة الى ان الصراع في غزة وعليها اصبح معقدا اكثر، فمن جهة تتزايد احتمالات الانسحاب، أو الفصل احادي الجانب من غزة. ومن جهة أخرى تتراجع هذه الاحتمالات، كيف ذلك؟
العناصر والاحزاب والقوى الاسرائيلية التي تدعو للفصل او الانسحاب من غزة، على رأسها شارون تفعل ذلك لانها تؤمن في غالبيتها، ان هذا الانسحاب او الفصل يساعد اسرائيل على تحقيق عدة أهداف بحجر واحد. فاسرائيل تستطيع من خلال التخلص من أكثر من مليون فلسطيني و1% من الارض ان تنجو من خطر انفجار القنبلة الديمغرافية، ومن قيام الدولة ثنائية القومية. واسرائيل تستطيع من خلال الاقدام على مثل هذه الخطوة في غزة تعميق تكريس احتلالها واستيطانها في الضفة وقطع الطريق على امكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، ومن خلال الظهور بمظهر الطرف المبادر الذي يقدم على تنازلات مؤلمة تشمل اخلاء المستوطنات والانسحاب من او اعادة الانتشار في معظم المواقع العسكرية التي ترابط فيها القوات الاسرائيلية، فلن يطالب احد اسرائيل بخطوات اخرى لعدة سنوات قادمة.
وحتى تتحقق هذه الاهداف، يجب ان تظهر اي خطوة تقدم عليها اسرائيل في غزة بانها تتم من موقع القوة والانتصار، ومن شأنها مساعدة اسرائيل في حربها ضد "الارهاب". عمليتا حي الزيتون ورفح، أكدتا مجددا ان التفكير بالفصل او الانسحاب او اعادة الانتشار في أو من غزة يعود اساساً، او احد اسبابه ان الثمن الذي تدفعه اسرائيل لاحتلالها وبقائها في غزة، أكبر من المكاسب التي تحققها هناك، وبالتالي سيعتبر الانسحاب او الفصل جائزة "للارهاب" الفلسطيني، وسيقدم سابقة قابلة للتكرار في الضفة. ولكن تعقد المسألة لا ينفي بل يعمق الاسباب التي دفعت الى التفكير بالهروب الاسرائيلي من غزة. وعلينا ان نرحب بهذا الانسحاب ونستعد له، مع رؤية انه طعم يراد منه افتراس الارض الفلسطينية واجهاض اي امكانية لحل القضية الفلسطينية حلا يحقق فيه الفلسطينيون الحد الادنى من حقوقهم الوطنية المقرة في قرارات الشرعية الدولية. وحتى يكون اي انسحاب او تراجع اسرائيلي من غزة خطوة الى الامام يجب ان لا يكون له ثمن فلسطيني.
في ظل هذا الوضع المعقد، الاقرب الى توقع الحدوث، هو أن حكومة شارون المأزومة والمختلفة مع بعضها والتي لا تملك اية خطة سياسية ولو من قبيل الحيل الاعلامية، ستكون أكثر خطرا واستعدادا لارتكاب المجازر والمغامرات والخطوات المجنونة. اما الحديث الاسرائيلي الاخير عن الخطط السياسية او تعديل خطة شارون بحيث تمنح السلطة الفلسطينية فترة تسعة اشهر لاثبات وجودها، تقبل بعدها كشريك لتطبيق خطة الفصل اذا نجحت في الاختبار، واذا فشلت تسقط بالاختبار وتقوم اسرائيل بتنفيذ خطتها من جانب واحد؟ اي الخطة المطروحة هي نفسها في كل الاحوال؟ وهذا يجعل من الافضل بكثير، او الاقل سوءا بكثير أن تنفذها اسرائيل لوحدها إذا استطاعت الى ذلك سبيلا؟ ان اسرائيل يجب ان تحارب "الارهاب" وتبلور خطة سياسية في نفس الوقت، هكذا صرح موفاز وزير الحرب الاسرائيلي، ولكنه قال ان اسرائيل ستركز اساسا في هذه المرحلة على محاربة "الارهاب" حتى يهزم. وعلينا ان نصدق شارون ونستعد لهذا الاحتمال جيدا. في نفس الوقت الذي نمد أيدينا لاي فرصة او تحرك سياسي حقيقي. مع ان الرهان على تحرك سياسي جدي في ظل حكومة شارون الحالية، وادارة بوش المشغولة كليا بالانتخابات وبانقاذ مصداقيتها المنهارة في العراق، والعالم كله، ما هو سوى رهان خاسر. الآن مطلوب تقليل الخسائر والاضرار، والعمل من اجل تسريع قدوم مرحلة اخرى يمكن فيها تحقيق الانجازات والمكاسب!! - الأيام -