سؤال: ما الذي يربط الزعيم الشيعي مقتدى الصدر وجيشه المسمى بجيش المهدي، مع المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين في إسرائيل؟

الجواب: تجمع هؤلاء روابط أعمق كثيرا مما نتصور. تشترك المجموعتان في آرائهما الدينية الخلاصية، ورغبتهما في التضحية بأتباعهما وغير أتباعهما في سبيل الرؤى المطلقة التي تؤمنان بها، واحتقارهما للقوانين الوضعية الإنسانية في مقابل القوانين الإلهية التي تدّعي المجموعتان تمثيلها. كما أن القضية الأساسية اليوم في كل من العراق وإسرائيل، متشابهة ويمكن تلخيصها في السؤال التالي: هل ستنهض الأغلبية الصامتة في كلا البلدين لمواجهة هذه الاقليات المتطرفة وإنقاذ مستقبلها ومستقبل بلديها؟

في الثاني من مايو (أيار) الحالي، استطاع المستوطنون الإسرائيليون استقطاب عدد كاف من حزب الليكود لهزيمة خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون بالانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة وإخلاء كل المستوطنات الإسرائيلية هناك. «يعيش 7500 إسرائيلي في 35% من قطاع غزة بينما يتكدس 1.3 مليون من الفلسطينيين في المساحة الباقية من القطاع والبالغة 65% منه». وتوضح استطلاعات الرأي أن أغلبية الإسرائيليين يؤيدون الانسحاب من غزة. ولكن المستر شارون استسلم في الوقت الحالي لنتيجة التصويت من قبل الليكود، مع أن الأخير لا يمثل سوى فصيل واحد من تحالفه الحاكم الذي لا يمثل بدوره سوى نسبة أكبر بقليل من نصف عدد السكان.

إن مقدرة القلة المستوطنة على فرض إرادتها على أغلبية الإسرائيليين تعني أن اسرائيل لا تبقى بغزة دفاعا عن نفسها، فقد قال وزير الدفاع نفسه إن الأكثر أمنا لإسرائيل هو الانسحاب. إنها تبقى بغزة استجابة لأوهام المستوطنين وأحلامهم التي تقول إن على إسرائيل أن تحتفظ بكل مستوطنة تستولي عليها في أي مكان. وكما كتب آري شافيت، بصحيفة «هآرتس» يوم الجمعة: «أعيد تعريف هذه الحرب منذ الثاني من مايو، فمنذ ذلك اليوم لم تعد الحرب الحالية حربا ضد الإرهاب. ولم تعد حربا من أجل وجود إسرائيل. أصبحت الحرب منذ ذلك اليوم هي حرب الشعار التالي: «لا ينبغي التخلي عن مستوطنة واحدة مهما كانت الأسباب». وبالتالي فإن شباب وحدة جيفاتي التابعة للجيش الإسرائيلي، والذين نسفوا مع شاحنتهم المدرعة بقطاع غزة، يوم الثلاثاء، يختلفون كليا عن رفاقهم الذين قتلوا هناك منذ سبتمبر (أيلول) 2000. فهم يختلفون لأنهم لم يعودوا ضحايا التطرف. ولم يعودوا ضحايا جنون عرفات. إنهم ضحايا مؤسسة المستوطنين. إن محاولة حركة المستوطنين المنظمة لتفرض على مواطني إسرائيل حربا لا تخصهم، مسألة لا يمكن غفرانها». الأغلبية الصامتة في إسرائيل أخذت تخرج الآن إلى الشوارع مرددة شعار: الأغلبية وحدها هي التي تقرر. والسؤال هو، هل سيقرر المستر شارون، راعي حركة المستوطنين، مواجهة تلك الحركة باسم الأغلبية الإسرائيلية ومن أجل إنقاذ إسرائيل؟

أخبرني ماير شيتريت، عضو مجلس الوزراء الإسرائيلي، من حزب الليكود، والذي ظل يطلب من شارون السير قدما في تنفيذ خطته، أن نصيحته للمستر شارون كانت فظة في صراحتها: «إما أن تختار أن تصنع التاريخ، أو تصبح أنت نفسك من مخلفات التاريخ». ولم تكن الافتتاحية التي حملتها صحيفة «هآرتس» أقل وضوحا وصراحة:

(يقال أن أقلية دينية، خلاصية، متطرفة هي التي قادت شعب إسرائيل لتحطيم الكومنولث الثاني قبل ألفي سنة مضت. ويدور الصراع حاليا حول الكومنولث الثالث».

ويبدو أن صراعا مشابها يدور حول مصير العراق، فقد شهد الثلاثاء الماضي حدثين هامين، ولكن واحدا منهما فقط هو الذي عكسته العناوين العريضة لوسائل الإعلام; الحدث الأول كان هو نشر التفاصيل المرعبة لقطع رأس نيكولاس بيرغ. أما الحدث الثاني فهو المسيرة التي سيرها حوالي ألف شيعي بالنجف طالبين من مقتدى الصدر الخروج من هناك. ومع أن أتباع الصدر أطلقوا رصاصهم في الهواء وصرخوا في وجه المتظاهرين، إلا أن المتظاهرين ردوا عليهم هتافا بهتاف. إن مستقبل العراق، والفرص الأميركية في إنقاذ ما يمكن إنقاذه هناك، تعتمد على أي من الحدثين: قطع رأس بيرغ أم مظاهرة طرد الصدر، سيكون هو النمط الذي تسير عليه بقية الأحداث في المستقبل. المظاهرة المطالبة بخروج الصدر، تمثل حدثا نادرا في العالم العربي المعاصر. فهي مظاهرة كبيرة من جماهير مسلمة غير مسلحة، ضد جماعة إسلامية متطرفة ومسلحة. ولم يكن لمثل هذه المظاهرة أن تحدث إلا بعد سقوط صدام حسين، حيث أصبح الناس يجدون، رغم كل الصراعات والتوترات، الحرية الكافية ليفعلوا مثل هذا الأمر. ولكن هذه المظاهرة لن تحدد مصير العراق إلا إذا أصبحت حركة حقيقية وسط الأغلبية الشيعية الصامتة، وليس فقط حدثا استعراضيا يستمر يوما واحدا. قال لي أحد القادة الأميركيين في العراق: «نحن نريد للشيعة المعتدلين أن يسيطروا على الشارع وعلى مستقبلهم، وإلا فإن الأوضاع ستتحول إلى مشكلة بالنسبة لهم وبالنسبة لنا».

شخصيا أؤمن إيمانا قويا بأن حكم ثقافة ما على مسلك بعينه بأنه مشين وغير شرعي، هو أكبر قوة رادعة وأقوى محدد للكيفية التي يتصرف بها أهل تلك الثقافة. إن الأغلبية الصامتة هي التي يمكن أن تتصرف هنا وأن تحدد المعايير. أنا واثق بأن ذلك سيحدث في إسرائيل، التي تعتبر دولة ديمقراطية. ولن يصبح العراق بلدا ديمقراطيا إلا إذا حدث فيه نفس الشيء. - الشرق الأوسط -