انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي والذي تستضيفه الأردن في البحر الميت حيث تتصدر أعماله التي استمرت ثلاثة أيام قضايا الأمن العالمي والإصلاح في الوطن العربي حيث تركزت مناقشات المنتدى تحت عنوان «مواجهة التحديات الحقيقية من اجل نهضة مستقبلية في العالم العربي» على محورين الأول إقليمي ويتناول الإصلاحات في العالم العربي والثاني عالمي ويتناول دور الاقتصاد في تعزيز الاستقرار العالمي. ورغم تصدي المنتدى لقضايا اقتصادية الطابع إلا أن إيقاع قضايا المنطقة السياسية والتوتر الإقليمي والعالمي فرضت نفسها على أعمال المنتدى الذي حمل هذه السنة عناوين كبيرة تعني بصفة كبيرة العالم العربي.
خاصة انه لا يمكن تجاهل قضيتي الصراع العربي الإسرائيلي والعراق رغم التناول العميق للتحديات الاقتصادية وكذلك تحديات الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم وهما ذات اتصال مباشر بالقضيتين السياسيتين.
لقد شكل هذا العام أيضا فرصة استثنائية أمام الإدارة الأمريكية لعرض وتسويق مواقفها اتجاه القضايا العربية؛ حيث أن هذه المواقف مازالت تواجه بانتقادات شديدة وتشكل حرجا متزايدا لحلفائها أمام شعوبهم اولا، وأمام الدول العربية الأخرى. ومما لاشك فيه أن تزايد وتعمق مأزق الاحتلال الأمريكي في العراق ، وانكشاف خديعة تخليص الشعب العراقي من النظام الديكتاتوري السابق بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل ، الى تحول (قوات التحرير الأمريكية وحلفائها) من قوات التحالف الى قوات احتلال كما هي بالفعل شكلا ومضمونا وممارسة ، الى فضيحة سجن أبو غريب والانتهاكات الأمريكية لحقوق الإنسان او بمعنى أدق فضيحة الديمقراطية الأمريكية المنقولة للشعب العراقي .
علاوة على الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل وتأيد إدارة بوش لحكومة شارون في المحافل الدولية وتشجيعها على مواصلة العدوان على الشعب الفلسطيني، وتنكرها لتطبيق الاتفاقيات الموقعة بما في ذلك خارطة الطريق الأمريكية الإنتاج والصناعة، والتواطىء المكشوف بين هذه الإدارة وحكومة شارون على هذه الخطة التي أصبحت قرار دوليا من خلال تبني ودعم مشروع شارون للفصل الأحادي الجانب، وتقديم رسالة ضمانات له تشكل ليس انتهاكا لخارطة الطريق فحسب بل ولقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، ويشكل سابقة خطيرة في تقرير مصير شعب آخر ليس باستبعاد قيادته الشرعية المنتخبة فحسب، وإنما بين دولة محتلة وأخرى تدعي أنها راعية أساسية للعملية السلمية بحكم قيادتها للنظام النظام الدولي الجديد وتنصب نفسها شرطي لمكافحة (الإرهاب العالمي ).
كما إن انعقاد المنتدى على ارض عربية وبمشاركة واسعة ورفيعة المستوى عربيا ودوليا شكلت من جهة أخرى فرصة أمام الولايات المتحدة بشخص رئيس دبلوماسيتها فرصة لطرح موضوع الإصلاح في العالم العربي، وذلك قبيل انعقاد القمة العربية، وانعقاد قمة الدول الصناعية الثمانية في الولايات المتحدة الشهر القادم، هذه الفرصة ربما تكون الأنسب للترويج لهذا المشروع الذي مازال يثير ردود أفعال عربية غاضبة وخاصة من حلفاء الولايات المتحدة التقليدين لأنه ، من حيث المضمون والهدف شكل استهداف للقيم التي تقوم عيها أنظمة حكمهم غير الديمقراطية والشعبية .
والملفت للانتباه هنا إذا بدئنا بموضوع الإصلاح، فإن كولن باول الذي تفادى تقديم ورقة معدلة تحمل المنظور الأمريكي للإصلاح في البلدان العربية حتى لا يوتر الموقف مجددا ويعطل على الجهود التي بذلت في إعداد الورقة العربية المقدمة للقمة العربية، فإنه اكتفى بلقاء مع الوزراء العرب على هامش القمة مع استثناء وزراء خارجية كلا من لبنان وسوريا، لمناقشة الموضوع معهم وبلورة أفكار أضافية للقمة العربية وكذلك لقمة الدول الثمانية، مشفوعا هذا النقاش بمحاولة لخلق آلية إشرافية من الولايات المتحدة الأمريكية على سير وتقدم العملية الإصلاحية في البلدان العربية، عبر اجتماع سنوي يعقده مع وزراء خارجية هذه البلدان .
وبصرف النظر عن الكيفية التي استقبل فيها هذا الاقتراح ومدى تقبله ورفضه من الدول العربية المشاركة، فإن عدم إقراره جاء لاعتبارات تتصل بعدم إمكانية إجراء إصلاحات عربية على نسق واحد ووتيرة واحدة في بلدان عربية متفاوتة التطور والنمو السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، علاوة على أنها تضع هذه البلدان وسيادتها الوطنية تحت الإشراف الأمريكي المباشر والعلني وهو ما يعتبر سابقة أيضا في التدخل الدولي في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى .
إن فشل كولن باول في تسويق فكرة الإشراف على عملية متابعة الإصلاح بأشراف أمريكي مباشر لا يعني إن العملية قد لا تجد طريقها للتنفيذ بوسائل ووتائر أخرى، ولا يعني أيضا أن وزير الخارجية الأمريكي قد عاد خالي الوفاض من مهمته إزاء القضايا الأخرى وخاصة تلك المتصلة بالوضع في العراق وتأكيده نقل للسلطة نهاية الشهر القادم لحكومة عراقية انتقالية تمهد الطريق أمام انتخابات عامة العام القادم. فرغم الانتقادات العلنية والكثيرة إلا أن الصورة التي عولج فيها موضوع العراق هي اقرب الى التالي بما أنكم تورطتم وورطونا معكم فعليكم متابعة هذا الدور لكن بأقل الفضائح الممكنة.
أما فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني فإن اللقاء مع رئيس الوزراء الفلسطيني وبعض الوزراء الفلسطينيين على هامش القمة وان كان يحمل دلالة لعودة الحرارة لخط الاتصالات المباشرة على هذا المستوى مع القيادة الفلسطينية، فإن اللقاء لم يحمل جديدا فيما يتعلق بموقف الإدارة الأمريكية السابق والمتصل بتحميل الفلسطينيين مسؤولية الوضع ومطالبتهم بوقف الإرهاب ، وتقييد صلاحيات الرئيس عرفات وفي مقدمتها الأمنية باعتبار ذلك مدخلا للإصلاح .
إن جملة التطمينات الكلامية التي رددها كولن باول على مسمع الدول العربية والعالم بان الوضع النهائي يتقرر بالمفاوضات بين الطرفين لا يلغي الضمانات المكتوبة لإسرائيل التي قدمها الرئيس بوش لشارون والتي أصبحت ملزمة لهذه الإدارة وللإدارات اللاحقة، وبالتالي فإنه لم يكن من الملائم ابتلاع هذا الطعم فلسطينيا، والإيحاء بان اللقاء كان بناء جدا جدا لأنه سيفتح الباب لاحقا أمام التعاطي العربي مع مشروع شارون للحل الأحادي الجانب الذي تعتبره الولايات المتحدة فرصة نادرة ينبغي استثمارها.
لقد كانت لدى الفلسطينيين فرصة جيدة باستثمار مأزق الإدارة الأمريكية في المنطقة واجتماع هذا الحشد الدولي والعربي لمواصلة الهجوم السياسي على سياسة الإدارة الأمريكية بغية حملها فعلا عن التراجع عن رسالة الضمانات لشارون، خاصة بعد أن رفضها غالبية أعضاء حزبه والتأسيس لموقف عربي ودولي رافض لمشروع شارون الذي يحاول إعادة طرحه مجددا بعد أجراء تعديلات لتجمليه من اجل تمريره داخليا .
إن الفلسطينيين بإضاعة هذه الفرصة في عمان وفي برلين لاحقا باللقاء مع السيدة رايس مستشارة الرئيس بوش للأمن القومي راهنوا مجددا على حسن النوايا، وعلى إمكانية أن تفعل هذه الإدارة العرجاء بأخر أيامها شيئا ما قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم وهو رهان بحاجة لقراءة متأنية وتدقيق شديدين حتى لا نقع في الخطأ مرتين .