ما بين وعد بوش لشارون في الرابع عشر من نيسان (ابريل) الماضي وايامنا هذه، سيل من الوعود المشابهة والمقابلات والتصريحات للسيد الرئيس نفسه ولعدد من اركان ادارته تذهب كلها في اتجاه مغاير لذلك الذي ذهب اليه الوعد بوضعه سقفاً للتفاوض النهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين، سيما في ما يتصل بقضايا الحدود والمستوطنات واللاجئين. وكان من باب أولى الاعتقاد بأن ادارة بهذا المستوى من الانحياز للدولة العبرية لا يمكن ان تقدم على صعيد القدس إلا ما هو أسوأ مما قدمته ادارة كلينتون، أقله بالقياس على القضايا الاخرى التي كانت طروحات هذا الاخير حيالها متقدمة الى حد ما.
من الناحية النظرية، لم يكن ثمة ما يدفع ادارة بوش الى التراجع عن وعدها لشارون، فلا النظام العربي الرسمي في حال تسمح له بالضغط، ولا الرباعية الدولية التي جاء موقفها من خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة وحتى من وعد بوش مفاجئاً الى حد كبير من حيث تبعيته لموقف الولايات المتحدة. ويبقى المأزق الاميركي في العراق الذي لم يكن ليدفع في الاتجاه المذكور لو اصر شارون وجماعته في الولايات المتحدة على ذلك، اقله في هذا الوقت وحيث لا يملك الرجل ترف المواجهة من اليهود على مشارف الانتخابات الرئاسية.
هل يعني هذا ان ما جرى كان برضا شارون ومن يناصره من اليهود في الولايات المتحدة؟ من الواضح ان هذا ما تقوله الوقائع على الارض، اذ ان أحداً في الدولة العبرية لم يرفع عقيرته بالنقد او الشكوى من وعد بوش للعاهل الاردني او ما عرف بكتاب التطمينات وكذل الحال مع رسالته لرئيس الوزراء الفلسطيني، فضلا عن جملة التصريحات التي تحمل ذات المضمون، اكانت تلك الصادرة منه مباشرة ام من آخرين في ادارته.
قد يرى البعض ان ما جرى هو توافق الطرفين على تهدئة الخواطر العربية والفلسطينية، فيما يبقى موقف الادارة هو ذاته من قضايا الحل النهائي كما وردت في الوعد الشهير. وقد يكون ذلك صحيحاً، بل لعلنا نضيف الى ذلك القول انه لو افتتحت مفاوضات الوضع النهائي اليوم او غدا لما كان من بوش ان يفرض على شارون أي موقف لا يريده، أكان مكتوباً في الوعد أم لم يكن.
لكن ذلك لا يغير في واقع الحال من جوهر السؤال عن السبب الذي يدفع الطرفين الاميركي والاسرائيلي الى الذهاب في هذا الاتجاه، بعودة الاول عن مضمون وعده، وبسكوت الثاني عن ضياع انجاز تم التعامل معه سياسياً واعلامياً بوصفه نقلة غير مسبوقة في التعاطي الاميركي مع الصراع العربي ــ الاسرائيلي.
في قراءة ما جرى لا بد من القول ان الوعد الاميركي لشارون قد نزل برداً وسلاماً على انصار المقاومة في الواقع العربي والفلسطيني، اذ خلّصهم وللمرة الاولى من حجة او حجج طالما تلاعب بها انصار التفاوض. وتتمثل تلك الحجح في مقولات الحل المرحلي قبل ان يختفي الطرح، وفي مقولات التجريب والانتظار وفضح التعنت الاسرائيلي وخذ وطالب، وتوسيع السلطة وجمهورية الفاكهاني، واللعب على التناقضات الدولية، الى غير ذلك من المقولات التي ترد على زعم المعارضين بعدم امكان الحصول على دولة كاملة السيادة على كامل الاراضي المحتلة العام 67 وعاصمتها القدس.
جاء الوعد المشار اليه ليشطب ذلك كله، وليضع انصار التسوية عربياً وفلسطينياً في مأزق حقيقي، فما رفضوه العام 2000، قبل انتفاضة الاقصى، ها هو يعود اليهم في طبعة مشوهة، وعليهم ان يقبلوه، ليس بلا ثمن، بل بثمن باهظ يتمثل في الشروع في معاقبة القوى التي قاومت الاحتلال، تحت مسمى «تفكيك البنية التحتية للارهاب» كما تنص «خريطة الطريق» التي تعد المسار الوحيد المتاح للوصول الى تلك المفاوضات النهائية التي سيوضع خلالها وعد بوش على الطاولة بوصفه السقف النهائي لعملية التفاوض.
في ظل هذه المعادلة لم يكن بوسع احد، لا فلسطينياً ولا عربياً ان يبادر امام الملأ بالحديث عن عملية سياسية، الامر الذي دفع «تيار الاعتدال» في المعسكرين الى اعلان الخيبة مما جرى. وحين يحدث ذلك لا بد ان تغدو لغة المقاومة والتصعيد هي الاكثر قابلية للتداول في السوق السياسي، الامر الذي لا يمكن ان يشكل مصلحة اسرائيلية بحال من الاحوال. وهذا بالضبط ما يفسر السكوت الاسرائيلي على التراجعات الاميركية النظرية.
يضاف هنا بالطبع ما يهم اليهود والاميركيين في الوقت نفسه ممثلا في عدم دفع الموقف العربي الرسمي والشعبي نحو التطرف، عبر سد آفاق التسوية، وعبر انحياز اميركي سافر لكل الممارسات الاسرائيلية، ولعل ذلك هو ما يفسر موقف الولايات المتحدة من قرار مجلس الأمن بشأن هدم المنازل في رفح، وتفهم الاسرائيليين له.
غير ان ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو ان ما جرى من تراجع لم يشمل عملياً، لا خطة الانسحاب احادي الجانب من قطاع غزة، ولا مسألة التعامل مع الرئيس الفلسطيني، الامر الذي يعقد المسألة من جهة، ويفسر من جهة اخرى تلك اللغة المناوئة لعرفات في سياق بيان الرباعية الدولية، ومعها حديث بعض المسؤولين العرب عن الرجل، فضلاً عن عودة محمود عباس الى الواجهة من خلال عدد كبير من الحوارات وحتى الاشارات المباشرة اميركياً واسرائيلياً، الامر الذي يشمل محمد دحلان. والغريب ان ينضم جبريل الرجوب الى ذات المعسكر، مما يعني ان عملية حشد تجري ضد عرفات لترتيب المشهد في حال اقصائه بطريقة ما او خروجه من الحلبة بالموت الطبيعي.
كل ذلك يؤكد عملية البحث عن «شريك تفاوضي» يقبل سقفاً مختلفاً للمفاوضات النهائية، الى جانب استعداده العملي لتقديم الاستحقاقات الاولى بـ«خريطة الطريق» ممثلة في مطاردة قوى المقاومة، تحت شعار «توحيد الاجهزة الامنية وانهاء فوضى السلاح»، الى جانب شعار «توحيد الموقف الفلسطيني في المواجهة مع الاحتلال».
في ضوء هذه المعادلة المعقدة تحضر اسئلة متعددة منها: الموقف المصري من عرفات ومن خطة فك الارتباط ومواقف الاخرىن عربياً، التحولات الداخلية في حركة «فتح»، الحراك الداخلي الاسرائيلي، موقف قوى المقاومة وردها على ما يجري او سيجري، والأهم هو الموقف الاميركي في ظل تحولات الموقف في العراق.
ما يمكن قوله هو ان العامل الاخير يبدو الاكثر حسماً في السياق، اذ ان معظم العوامل الاخرى تبدو في غير مصلحة الفلسطينيين، او غير مضمونة في اقل تقدير، سيما في ظل ضعف الموقف المصري، ومعه بعض المواقف العربية الرافضة للعبة اقصاء عرفات واستبداله بشركاء «اكثر مرونة»، ذلك ان تحولات حركة «فتح» لا تبدو مضمونة الصمود امام الاستحقاقات المشار اليها؟ وعندما يحدث التراجع من الحركة التي تشكل حزب السلطة يغدو موقف قوى المقاومة صعباً في ظل اصرارها على عدم الصدام مع السلطة، أكان من ناحية مبدئية كما هو موقفها، أم ادراكاً لصعوبة الموقف في ظل التراجع العربي والضغط الدولي.
ما جرى خلال القمة العربية الأخيرة يبدو مؤسفاً إلى حد كبير، فقد جاء البيان الختامي ليؤكد أن معادلة العجز لا تزال فاعلة. وقد تبدّى ذلك في السياق الفلسطيني بإدانة العمليات ضد المدنيين، حتى من دون تمييز بين الأراضي المحتلة عام 67 و48. أما في السياق العراقي فقد كرر المواقف السابقة متجاهلاً بروز المقاومة العراقية وتحولها إلى الرقم الأصعب في المعادلة الداخلية.
مع ذلك يبقى الموقف في العراق هو الأهم من حيث تأثيره في مجريات الموقف الإقليمي، ومن ضمنه تعزيز فرص عرفات في الصمود، أكان بتقويته للموقف العربي المؤيد له، أو بدعمه لقوى المقاومة التي تجد بقاءه أفضل بكثير من زحف الآخرين ممن يسنون أسنانهم لمواجهتها بذات الطريقة التي مارسوها خلال أعوام أوسلو «الزاهرة»، وإن تم ذلك في حينه بغطاء من الرئيس نفسه.
لقد أثبتت الأعوام الثلاثة الماضية أن المقاومة في فلسطين، وكما في العراق، ليست عبثية كما صورها مناهضوها، وأن بإمكانها مراكمة الإنجازات حين تمنح الفرصة، حتى لو لم تكن فرصة كاملة، مقابل لعبة التفاوض التي منحت فرصتها كاملة من دون إنجاز يذكر. وهنا لا بد من القول إن التعاطي مع الموقف الراهن من دون إدراك هزيمة شارون أمام المقاومة، إلى جانب المأزق الأميركي في العراق، يبدو عبثياً إلى حد كبير، الأمر الذي تأكد في بيان قمة تونس، وسيلقي عبئاً كبيراً على قوى المقاومة في الشارع الفلسطيني والعراقي، فضلاً عن القوى الحية في الأمة التي يجب أن تقف في وجه حال الضعف الرسمي العربي غير المبررة أمام سطوة القوة الأميركية وأمام المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، عبر دفعها نحو المراهنة على قدرة الشعب العراقي والفلسطيني على مواجهة الاحتلال وكسر حدة الهجمة التي تستهدف الأمة بأسرها كمقدمة لنقلة أفضل في السياق الفلسطيني المرتبط عضوياً بمعادلة القوة الأميركية والمواقف الدولية والأوضاع العربية. - الحياة اللندنية -