دُعيتُ كَزميلٍ زائرٍ، لمدة شهر، في معهد واشنطن، وهذا المعهد، الذي يتولّى رئاسته الديبلوماسي الأميركي الشهير دينس روس، ويعاونه بشكل رئيسي دافيد ماكوفسكي، يعتبر من أهم المؤسسات البحثية المؤثرة في صنع السياسة الشرق أوسطية. وبالنسبة لنا نحن الفلسطينيين والعرب، فإننا ننظر لمعهد واشنطن بالذات على أنّه أحد المراكز المثيرة للجدل، مما يخلق حذراً مسبقاً من أنشطته وخلاصات أبحاثه ومقترحاته. حين قبلت الدعوة، قرّرت التخلّي عن الحذر المسبق، والتعامل بشكل موضوعي مع المعهد وأنشطته خلال فترة وجودي بواشنطن، ولقد وفّرت لنفسي دفاعاتٍ فعّالةً، توفّر لي قدرةً على الاستفادة والإفادة. هذه الدفاعات الفعّالة.. هي بالضبط، الصدق والموضوعية، دون مجاملات أو ـ وهذا ما لا يحبّه الباحثون ـ .. دون القيام بدعايةٍ ما. حين تتجوّل في مقر المعهد، تجد جدرانه مليئة بصور اللاعبين على مسرح الشرق الأوسط خلال عقود. كان انطباعي الأولي هو.. أنّ بعض الجدران تُصوّرُ تاريخاً أكثر مما تظهر مناسبة.. غير أن التاريخ الذي كان فيما يبدو.. مناسباً لمعهد واشنطن هو ما يشير إلى محاولات بلوغ حلول سياسية على أرض المعضلات.. الشرق الأوسط. صور مناحيم بيغن وهو يوقّع معاهدة الصلح مع السادات، صور الملك حسين وياسر عرفات ورابين وعددٍ من الرؤساء الأميركيين ووزراء الخارجية، ثم معظم المتحدثين في ندوات وفعاليات المعهد. لم تكن صوراً احتفالية.. أو من قبيل إظهار أهمية المركز من خلال أهمية زوّاره والمتحدثين في فعالياته.. لأنها بالضبط صورٌ سياسيّة مُنتقاة بعناية. أما داخل الغرف.. وقاعات الاجتماع، فترى أشخاصاً يعكفون على متابعة قضايا محددة، بين أيديهم مصادر المعلومات الكافية، ولمعاونتهم على بلوغ الخلاصات الفعالة.. يستضيف المعهد عدداً من المسؤولين.. لجلسة حوار مفتوح، أساسها المعلومات قبل الخلاصات والاستنتاجات المسبقة. كانت الفعالية الأولى.. التي بدأت بها عملي في ذلك المعهد هي تقويم نتائج زيارة شارون لواشنطن، من خلال تقويم أشمل لسياسته الجديدة المسماة بـ(الانفصال أحادي الجانب).. نظراً لعدم وجود شريك فلسطيني وفق نظرية شارون. كان الجالسون حول مائدة الاجتماع، من طاقم المركز، مع بعض من لهم صلة بالبيت الأبيض والخارجية. كنتُ المتحدث الرئيسي، بوصفي من يملك بعض المؤهلات لعرض الموقف الفلسطيني من سياسة شارون، وسياسة واشنطن التي بدت جديدة من حيث مستوى الإغداق المقدّم لإسرائيل دون مبررٍ كافٍ، ومردودٍ مقنع. لقد أبديت ما يشبه اليقين، باستحالة نجاح شارون في قطع أشواطٍ جدّيةٍ نحو تنفيذ مبادرته، لم يكن الليكود قد أسقط المبادرة بعد، إذن فإن ما أعنيه باستحالة النجاح إنما يتصل بأمر آخر. إنه بالضبط ـ متاعب وعقبات غياب الشريك.. وفي حالة غزّة أولاً، فإنّ الأمر موضوعياً، يحتاج إلى شريكين: الأول فلسطيني.. ولا مناص هنا من العمل ـ ولو ميدانياً فقط ـ مع السلطة الفلسطينية. رغم كل ما يحيط بها من تساؤلات إسرائيلية وأمريكية مشتركة، والثاني.. مصري.. حيث ـ على الأقل ـ تظهر الحاجة لمعالجة مسألة كورودو فيلادلفي، الذي هو قطعة من الحدود مع مصر. لقد أوضحت نظرية شارون في الشراكة، انه بالضبط لا يلغيها، وإنما يسعى إلى تحديدها وفق المواصفات والأسقف التي يضعها هو.. وعلى الشركاء أن يتكيّفوا. فمصر، كما يرى شارون، تنتظر خلف الباب إلى حين دعوتها لأداء دورٍ معيّن.

وهذا ما أشار إليه بالضبط، حين حدّد مساحة الدور المصري على ضوء اختبارات الأداء والفاعلية، وهذا أمر لن تقبله مصر، ولن يقبل مثله أي شريك يعرف وزنه الفعلي في المعادلة. إضافة إلى غياب الشريك، فهنالك خلل جوهري آخر، سيرافق سياسة شارون من البداية، وسيظل بمثابة الخطر الكامن بين المنعطفات. هذا الخلل، هو ربط مصير الحل السياسي، ليس بمتطلباته الموضوعية ومرجعياته السياسية، وإنما بمزاج المعسكر اليميني في إسرائيل. وهو مزاج نعرفه جيداً، ونعرف كيف ينحسر عن دعم أي فكرة تهدف إلى الحل، لمصلحة اعتبارات متعدّدة لا نتيجة لها سوى المراوحة في دائرة اللاحل. كانت تقديراتي التي عرضتها في المعهد، موضع حذر، فهم هناك، يؤيدون شارون تماماً، ويرون في مبادرته كسراً جوهرياً لثوابت اليمين الإسرائيلي، الذي حتى وإن اضطر للانسحاب من منطقة ما، إلاّ أنّه قد يخوض حروباً كبرى من أجل المستوطنات. لقد وافقت على فكرة أن شارون كسر المحرّمات بشأن إزالة المستوطنات، ولو أنّ بيغن قد فعلها قبل ذلك، ولكن كانت دفاعاتي عن موقفي، تستند إلى أنّ رجلاً مثل شارون عندما يتّخذ مبادرةً كهذه، فعليه توفير إمكانيات جديّة لتنفيذها، ومن ضمن هذه الامكانيّات.. تغيير قواعد اللعبة في إسرائيل ذاتها، فبدل أن يضع الفيتو في يد بضعة آلاف من المستوطنين أو غلاة الليكوديين، كان يتعيّن عليه أن يذهب بشجاعة إلى ائتلاف جديد، وبشجاعة أكبر إلى شراكة إقليمية ودولية، توفّر مصداقية لمبدأ الحل وفق خطة خارطة الطريق التي ومهما حاول شارون (تجليسها) لتصبح مجرد غطاء لمبادرته، إلا أنّها تظل المفتاح، لتوفير ما تبقّى من عناصر الحل، وأهمها الاستعداد الفلسطيني والمصري والدولي للتعاون. ومن وجهة نظري، فإنّ أكبر خطأٍ ارتُكب في هذا السياق، ليس ذهاب شارون إلى الليكود في استفتاءٍ لم يَجْرِ الإعداد له جيّداً، مع أنّه اعترف بصراحة هذا الخطأ وإنما في رسالة الضمانات الأميركية، وهي مسألة من العيار الثقيل، أي من النوع الذي يشبه محاولة اصطياد عصفورٍ بصاروخٍ عابرٍ للقارات .. فلقد طار العصفور مع انطلاق القذيفة، فكانت النتيجة عكسية تماماً. إنني لا أوافق على وصف رسالة الضمانات الأميركية على أنّها وعد بلفور جديد لإسرائيل، فهذا وصف بلاغي له صلة بمترادفات المعاني أكثر من كونه تحديداً لمفهوم سياسي، إنّ رسالة الضمانات، تعني بالضبط، تدخل الوسيط في مرحلة حرجة ليأخذ دور الطرف، أي انه أضعف إمكانيّات التفاوض التي هي ضعيفة أصلاً. ورغم ذلك، فإن موازنة رسالة الضمانات لإسرائيل برسائلَ من عيارٍ أقل، للفلسطينيين والأردنيين، يمكن اعتباره أفضل الممكن، في موسم الانتخابات، حيث معادلة الأصوات، تفرض خطواتٍ حذرةً، وليس موضوعية. لقد مرّرت واشنطن رسائلها للفلسطينيين والأردنيين، تحت غلالة كثيفة من الدخان الذي أطلقته قذيفة الضمانات لإسرائيل، ونتائجها الفاشلة، إذ لم يعد لدى إسرائيل أي منطق للاعتراض بل إن رئيس وزرائها الذي ـ وبالتعاون مع البعض في واشنطن ـ أساء استخدام ورقة الضمانات، وجد نفسه مضطراً لإلغاء زيارة كانت مقرّرة لواشنطن، أو ماذا سيقول هناك، بعد أن جرى ما جرى.غير أنّ الأميركيين، الذين يقرّون ـ على الأقل ـ بفشل قذيفتهم في إصابة الهدف، ما زالوا يراهنون على إمكانية نجاح شارون ـ في وقتٍ ما ـ على تمرير مبادرته، مما يضع في أيديهم ـ ورقة إنجاز ـ يقولون فيها، إنّهم كسروا الجمود الفظيع على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، وإنّ إمكانية تطوير خطة شارون لتصبح منسجمةً مع خارطة الطريق هي إمكانات منطقية، مما يقدّم كإنجازٍ مرموقٍ لإدارة تعاني كثيراً من ضعف الإنجازات على صعيد العراق.. وربما غير العراق! كل هذا .. جرى نقاشه بشكل معمّق في المعهد، مع تركيز على الحلقة الفلسطينية في الأمر، وهي حلقة مركزية في مسألة الحل أو التصعيد. وللحديث صلة. - الشرق الأوسط -