يجري اتهام الادارة الجمهورية الحالية في واشنطن، وعن حق بأنها تجهل المنطقة العربية، ولا تدرك تطلعات شعوبها. واذا كان الرئيس بوش يتجنب متابعة الاخبار، خشية التأثير على «افكاره الواضحة» أي على جهله، فالراجح ان عدداً من افراد دائرته، لا يقرأون عن احوال منطقتنا ولا يقفون على حاجاتهم الفعلية، وهي حاجات بسيطة، من قبيل التعامل مع العرب دولاً وشعوباً باحترام، والتقيد بالشرعية واحكام القانون الدولي، حتى لو استمر الارتباط الخاص مع تل ابيب.
غير ان هذا الجهل ينم في جوهره عن تجاهل، وليس عن ضعف إدراك، إذ يتعذر وسط ثورة الاتصالات وتدفق المعلومات، تصور ان الدوائر المتنفذة في واشنطن، بما فيها البيت الابيض، عاجزة عن الوصول الى المعلومات حتى لو تم اعتبار الرئيس غير هاو للقراءة. فوظيفة سيد البيت الابيض غير اكاديمية او فكرية، وان كان من الواضح ان بوش يبز أسلافه وأقرانه، في تجنب القراءة بنفسه واعتبارها لزوم ما لا يلزم.
لم يبدأ التجاهل المشار اليه منذ زمن سحيق، بل منذ تولى الرئيس مقاليد سلطاته ولم يمنح الشرق اوسط أولوية. غير انه اضطر الى منح اولوية، بعد نشوب الانتفاضة في خريف العام 2000 مع ايفاد تينيت السناتور السابق ميتشيل. ولم ينجح ليكود الاسرائيلي، في تكريس عمق تحالفه مع ليكود الاميركي (المحافظون في وزارة الدفاع والكونغرس) الا بعد هجمات 11 ايلول (سبتمبر)، حيث انفتحت أمام اليمين ابواب «الرؤيا»، وجرى زج الرئيس لاعتناق هذه الرؤيا القائمة على ان الارهاب عربي اسلامي بالتعريف، وان منابعه تكمن في منطقتنا، وان مكافحته تحتل اولوية مطلقة.
وقد بات كل متطرف او متشدد واحيانا كل ناشط سياسي، ارهابيا في عرف الادارة وباقتراحات قوية من ليكود. منذ ذلك الحين بات العرب في وضع دفاعي. لقد تعاونوا جميعاً مع الادارة في المجال الامني لملاحقة «القاعدة» وامتداداتها، ولكن ذلك لم يشفع لهم. لقد قيل انها مصدر العقلية السائدة، وقيل احيانا وبصيغ مختلفة ان العقيدة الاسلامية هي وراء الارهاب الذي يستهدف حضارة مسيحية ــ يهودية.
منذ ذلك الحين فقد العرب ومعهم شطر كبير من دول شعوب العالم، لغة مشتركة مع المحافظين الجدد الذين وجدوا في الارهاب ذخراً ايديولوجياً قابلاً للاستعمال لاغراض استراتيجية. وحتى التأييد العربي الاجمالي للحملة الاميركية على افغانستان، لم يفلح في تهدئة الخواطر بل جرى استلهام هذه الحملة من اجل الانتقال الى الحلقة الثانية استهداف العراق. وبما ان الوقت وقت حرب، فقد جرت التضحية بغير اسف بالعملية السلمية الشرق اوسطية، اذ عهد بهذا الملف الى شارون والى انصاره الشخصيين في الادارة.
هذه وقائع معروفة، وقد سال حبر وفير في شرح جوانبها؟ ولم تفلح قمة بيروت ولا قمة شرم الشيخ، في توجيه أي رسالة جدية وذات مغزى قوي للادارة التي عزم جنرالاتها على «عمل ما يجب عمله.. واستكماله» في العراق، والقبول بأولوية شارون في مكافحة الارهاب، واعتبار كل فظائعه دفاعاً عن النفس. لقد جرى التخفيف من هذه النبرة في الاشهر الاخيرة، ولكن مضمونها لم يتغير وبما ان الارهابيين شرق اوسطيين استباحوا الولايات المتحدة، فمن حق هذه الدولة وهي ليس كأي دولة ان تستبيح العالم العربي، وتنكر على بعض مكوناته مقومات السيادة.
واذا تم بجهود دبيلوماسية كثيفة الحد من الاندفاعة الاميركية، كما في الجهد الذي قاده العاهل الاردني، إلا أن الادارة ما زالت تصر على مقارباتها الخاصة للمسائل، فهي ترتضي كل ما يطلب منها شرط البدء بمكافحة الارهاب. وهذه المكافحة تعني اشعال حروب والمضي بها، وليس اقل من ذلك، كما تعني مثلاً هدم آلاف البيوت في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ساهمت بطبيعة الحال حدة المواجهات المسلحة في العراق في تخفيف النبرة، والاعتراف بدور ما للامم المتحدة، ولكن الاميركيين وحدهم من سيقررون اذا كانوا يريدون الخروج من العراق ام لا، كما ان شارون وحده يحدد المقاربة الفضلى لتطبيق خريطة الطريق، حيث تم اعتبار وعده بانسحاب ما في وقت ما من غزة باعتباره فرصة عظيمة، اما سلوكه على الارض بهدم البيوت فهو أمر مؤسف ليس إلا.
وقعت هذه التطورات وهي مرشحة للاستمرار مع التحضير للقمة العربية، وبعد تأجيلها ومع التحضير المتجدد لعقدها في تونس. وليس هناك ما يثبت وجود ضغوط اميركية للتأثير على القمة او لثنيها عن الانعقاد. وليت الامر كذلك!. لأنه لو صح، لكان معناه ان الادارة الحالية تحسب حسابا للعرب، وتستبق اجتماع قادتهم بممارسة الضغوط، كي لا يسيروا في وجهة لا ترضاها واشنطن. لكن من الواضح لكل ذي عينين، ان الادارة لا تعبأ بالقمم العربية، اذ يكفي حين الاقتضاء ان يرد ناطق باسم البيت الابيض او الخارجية على بيان القمة، لكي يسير كل شيء وفق الخط المرسوم، ولكي تنتظر العواصم مجدداً وبلهفة وصول أي مبعوث اميركي.
وتكراراً فإذا كانت «ادارة الشؤم» هذه تجهل التطلعات المشروعة للشعوب، فإن على القيادات العربية ان تثبت من جانبها، انها افضل من يدرك هذه التطلعات ويتبناها. وذلك يقتضي تصحيح لغة الخطاب السياسي ازاء هذه الادارة في الاشهر القليلة المتبقية لولايتها، الى مخاطبة الرأي العام الاميركي من موقع الصداقة، وبلغة مباشرة لا تعتمد الصيغ الديبلوماسية البالية التي لا تغري بالاصغاء اليها.
إن بلدانا عدة في العالم، موصوفة بأنها صديقة للولايات المتحدة، تعتمد مثل هذه اللغة الواضحة والتي تحمل من يعنيه الامر، على احترام المعترضين. ومثال ذلك النموذج التركي وحتى النموذج التركي ــ القبرصي. وهناك الآن من ينتظر انتهاء ولاية بوش، على امل ان يزول الشؤم مع ذلك الرئيس الذي يجهل العالم العربي ولم يبد رغبة او فضولاً في التعرف عليه، غير ان الامر يتعدى سيد البيت الابيض الحالي، الى الادارة بمجموع مستوياتها وهيئاتها ومؤسساتها، ومن ورائها الرأي العام الاميركي الذي تجهل قطاعات عريضة منه مدى النجاح الذي حققته ادارات بلده وخاصة الادارة الحالية في سلب حقوق العرب، وفي ابداء الكراهية نحوهم، وتلطيخ صورة اميركا كبلد يعتنق شعبه مبادئ الحرية والمساواة والعدل. - الحياة اللندنية -