لقد عرف الشعب الفلسطيني أبو عمار منذ العام 1965، حيث كانت انطلاقة حركة "فتح"، غير ان أبو عمار برز العام 1968 وبالذات بعد معركة الكرامة كقائد لحركة "فتح"، حيث كانت "فتح" والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التنظيمين الوحيدين في الساحة الفلسطينية والعربية بعد حرب حزيران العام 1967، وبعدها أصبح ابو عمار رئيساً لـمنظمة التحرير الفلسطينية بعد الأخ يحيى حموده. لقد عرف الشعب الفلسطيني ابو عمار قائداً ومناضلاً بارزاً منذ انطلاقة العمل الفدائي العام 1967، وكان جريئاً وشجاعاً آمن بقضيته وناضل من أجلها، حيث دخل أبو عمار الضفة الغربية بعد حرب حزيران 1967، وكان مختفياً في رام الله ويتنقل بين عدد من مدن الضفة، وحاولت اسرائيل اعتقاله اكثر من مرة ولكنها فشلت، واستمر في نضاله واختفائه، وكان هناك تعاون بين "فتح" وحركة القوميين العرب التي تحولت الى جبهة شعبية لتحرير فلسطين. وكان أبرز هذا التعاون في مدينة رام الله.
لقد عرف الشعب الفلسطيني أبو عمار لحوالي أربعة عقود من تاريخ الثورة الفلسطينية الـمعاصرة، وكانت بصماته البارزة على هذا النضال ملـموسة من خلال حركة "فتح" ومن خلال مسؤولياته لـمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها من مجلس وطني، الى مجلس مركزي، الى لجنة تنفيذية، ومن خلال مسؤوليته كرئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها، الـمجلس التشريعي الفلسطيني، والحكومة الفلسطينية، والأجهزة الأمنية الفلسطينية، وقد واجه أبو عمار طيلة العقود الأربعة الكثير من التحديات والكثير من الأخطار التي تغلب عليها واستطاع الخروج منها، ومن هذه التحديات كيف استطاع أبو عمار ورفاقه تثبيت حركة "فتح" على الساحة الفلسطينية والعربية في الستينيات، غير ان أول هذه التحديات الكبيرة كان أحداث أيلول 1970 في الأردن، ووفاة جمال عبد الناصر، الذي شكّل ملاذاً كبيراً ونصيراً للشعب الفلسطيني، وقد استطاع أبو عمار أن يخرج من هذه الـمحنة القاسية التي كانت تهدد حياته وحياة الثورة الفلسطينية، وذلك بفضل جمال عبد الناصر. ثم جاء التحدي الكبير الثاني وهو غزو اسرائيل بقيادة ارئيل شارون للبنان العام 1982، ودخوله مدينة بيروت، وقد صمد أبو عمار مع رفاقه، خاصة الرفيق جورج حبش، في وجه هذا العدوان الاسرائيلي، لكن الثورة الفلسطينية اضطرت الى الخروج من لبنان وتشتتت قوات الثورة في بعض العواصم العربية. وقد واجه أبو عمار تحدياً ثالثاً جديداً، وهو انشقاق حركة "فتح" العام 1983 والخلاف مع سورية، وخروج عدد من الكوادر العسكرية والسياسية من "فتح"، وأخذت من سورية مركزاً لها، ثم تلت ذلك معارك مسلحة في طرابلس لبنان، كانت تستهدف أبو عمار شخصياً، ما اضطره للخروج نهائياً الى تونس، التي أصبحت مقراً لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وقاد منظمة التحرير الفلسطينية من هناك حتى العام 1994، والـمعروف ان أبو عمار نجا من حادث الطائرة التي سقطت في الصحراء الليبية، وقد التقيت معه في طرابلس في ذلك الوقت وهنأته بالسلامة. وبعد اتفاق اوسلو العام 1993 وتحديداً في العام 1994 عاد أبو عمار ومعه معظم القيادة الفلسطينية الى أرض الوطن، كما عاد عدد من كوادر وعناصر الثورة الفلسطينية وعدد من أعضاء الـمجلس الوطني الفلسطيني وعدد من الشعب الفلسطيني الى أرض الوطن.
وقد انطلقت الانتفاضة الفلسطينية -انتفاضة الأقصى- في أيلول العام 2000 إثر دخول ارئيل شارون باحة الـمسجد الأقصى، حيث استلـم رئاسة الحكومة الاسرائيلية العام 2001، حيث واجه أبو عمار التحدي الحقيقي، حيث اجتاحت قوات شارون الضفة وقطاع غزة، وعاثت قواته العسكرية في البلاد فساداً، وهذا ليس بجديد على ارئيل شارون، ونفّذ سياسة الأرض الـمحروقة، حيث دمّر تماماً البنية التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني، وقتل وجرح واعتقل آلافاً من الشعب الفلسطيني، كما اغتال عدداً من القيادات الفلسطينية، أبرزها الشهيد أبو علي مصطفى والشهيد أحمد ياسين والشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والشهيد اسماعيل أبو شنب، هذا عدا العديد من القيادات العسكرية من مختلف التنظيمات الفلسطينية، كما دمّر شارون آلاف الـمنازل، وهجّر آهلها، وتركهم دون مأوى. كما قضى شارون على اتفاق أوسلو وما بعده من اتفاقات مثل اتفاق القاهرة وطابا وكامب ديفيد الثانية وشرم الشيخ، كما حاصرت اسرائيل أبو عمار في مبنى الـمقاطعة في رام الله حوالي سنتين ونصف السنة، ورغم ذلك صمد أبو عمار معتبراً ان الحصار هو حصار الشعب الفلسطيني في الضفة، بما فيها القدس وقطاع غزة.
غير ان أبو عمار بقي محتفظاً بمسؤولياته رئيساً لـمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيساً للجنة التنفيذية لـمنظمة التحرير، ورئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية، ورئيساً للدولة الفلسطينية، التي سبق ان أعلنت العام 1988 في دورة الـمجلس الوطني في الجزائر. وبقي أبو عمار متمسكاً بزمام الأمور وبجميع الخيوط والـمفاتيح الـمالية منها والإدارية، بالإضافة للقضية السياسية، ومسؤولاً مباشراً عن الأجهزة الأمنية، وكان يَعْتَبِر أبو عمار ان الـمؤسسات الفلسطينية هي الضمانة للـمسيرة الفلسطينية، ويتمنى أن يشهد في حياته قيام الدولة الفلسطينية الـمستقلة ويصلي في الـمسجد الأقصى، ويرفع العلـم الفلسطيني على مآذن وكنائس القدس.
ويحاول ارئيل شارون وجورج بوش الابن تجاوز ياسر عرفات، والإتيان بقيادة فلسطينية جديدة تنفذ تعليمات الولايات الـمتحدة الأميركية وتعليمات شارون، بحجة انه لا يوجد الآن شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه، غير ان شارون وبوش لـم يستطيعا ذلك، وبقي أبو عمار ماسكاً بكل الخيوط بيده، ولا يستطيع فلسطيني أن يأخذ دور أبو عمار، وينفذ تعليمات شارون وبوش، بل بالعكس، إن الجميع مضطر الى أن يأخذ رأيه سياسياً وإدارياً ومالياً، ونلاحظ ان دول العالـم بشكل عام، عدا الولايات الـمتحدة الأميركية، تعترف بأن ياسر عرفات هو الرئيس الفلسطيني الـمنتخب ويجب عدم تجاوزه، خاصة دول الاتحاد الأوروبي. وهذا له مغزاه عالـمياً، فهو يدعم حقوق الشعب الفلسطيني ويعترف بالرئيس ياسر عرفات.
وعندما مرض أبو عمار ونُقل الى مستشفى عسكري في فرنسا، نشطت الـمؤسسات الفلسطينية في عقد جلساتها، حتى لا يحصل فراغ دستوري، فعاد الأخ محمود عباس ليمارس مسؤولياته، فترأس اجتماع اللجنة التنفيذية لـمنظمة التحرير، وترأس اجتماع اللجنة الـمركزية لـ"فتح"، بحكم موقعه في هاتين اللجنتين.
وإذا سلـم الجميع بأن زمام الأمور يمسك بها أبو عمار، لكن ما حدث حتى الآن يستدعي عدداً من الخطوات التي لا بد منها: 1- ترتيب البيت الفلسطيني بأسرع ما يمكن، وإنهاء حالة الفلتان والتسيّب التي تعيشها الساحة الفلسطينية، حيث ان القضية الفلسطينية تواجه حقيقة أخطاراً كبيرة لا بد من التصدي لها.
2- الإسراع في تشكيل القيادة الوطنية الفلسطينية الـموحدة، التي تم الحديث عنها مراراً وتكراراً لكن دون فائدة، لتشكل هذه القيادة الـمرجعية لـمسيرة النضال الفلسطيني لحل القضية الفلسطينية.
3- إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والـمحلية، وهذا يساعد في حل الكثير من الـمشاكل والقضايا ويدفع عجلة الـمسيرة السلـمية الى الأمام على أسس عادلة وسلام شامل.
4- العمل على ورشة إصلاح شاملة تشمل الإصلاح الإداري والـمالي، والتخلص من كافة الأمراض الـمستشرية في مجتمعنا الفلسطيني.
5- في هذه الظروف نحن بحاجة الى تعزيز الوحدة الوطنية ووحدة الكلـمة ورص الصفوف ونبذ الخلافات ومواجهة هذه الظروف الصعبة ونحن متحدون، ونعرف جميعاً اننا نواجه اسرائيل والولايات الـمتحدة الأميركية التي تدعم اسرائيل، ولا نواجه اسرائيل وحدها.
وفي هذه الـمرحلة يبقى أبو عمار يمسك بزمام الأمور ويستمد قوته من الشعب، وعند عودته سالـماً لا بد من قفزة نوعية على صعيد كل الـمؤسسات حتى يطمئن الشارع الفلسطيني، وهذا يستدعي تنفيذ ما ذكر من الخطوات، مستفيدين من دعم الرأي العام العالـمي لنا ودعم دول العالـم، خاصة الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا.
إن أبو عمار متمسك بالثوابت الفلسطينية وقد برز ذلك في مفاوضات كامب ديفيد الثانية، حيث رفض التنازل عن حق العودة، كما رفض التنازل عن القدس الشرقية، ولهذا يريد شارون وجورج بوش التخلص من قيادة الرئيس ياسر عرفات. - الأيام -