يتفهم المرء ما كان ينشأ من خلافات داخل الساحتين الفلسطينية والعربية مع الرئيس ياسر عرفات. فالذين اختلفوا معه الى حد الخصومة أكثر بكثير ممن اتفقوا معه حتى من داخل حركة «فتح» نفسها. وهذا أمر طبيعي بسبب تعقّد ظروف الصراع في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي المدعوم من أميركا، والذي يمتلك تفوقاً عسكرياً، فضلاً عن تعدد المتدخلين في الموضوع الفلسطيني. ثم بسبب كون عرفات آخذاً القرار الفلسطيني الرسمي بكل تلاوينه.
ويمكن المرء ان يتفهم، أيضاً، التعاطف شبه الاجماعي مع الرئيس الفلسطيني، وهو في حالة الاعياء الشديد، كما من حول نعشه، هذا ولا يستثنى من ناصبوه العداء وتآمروا عليه، أو تمنوا غيابه، فللموت، قضاء الله وقدره، هيبة في القلوب ما بعدها هيبة. ولا يجوز معه غير ذكر محاسن موتانا. فهذا من دين الاسلام وثقافته وحضارته. وقد أصبح جزءاً من تقاليد الأمة مسلمين ومسيحيين. ولهذا لا يصح التشكيك بصدق مشاعر أحد ممن حزنوا عليه وأحسوا بالخسارة والفقدان.
على ان من غير المفهوم ان يحرم ياسر عرفات، مع كل هذه العواطف الجياشة، وخطب مديحه، وذكر مآثره، شرف الشهادة مقتولاً على يد شارون، ما دامت تلكم هي الحقيقة تلوح لنا بأكثر من دليل عليها. فكل القرائن تؤكد انه قتل بالسم، أو ما يشبهه من اشعاعات تفعل فعل السموم التي انتجتها «التكنولوجيا العالية»، تكنولوجيا عصر «الحداثة والمعرفة».
فمن جهة أعلن شارون ان لديه قراراً بقتل عرفات أو بنفيه. وكان ذلك في الوقت نفسه الذي تجرأ على اغتيال الشهيدين الشيخ أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي. ثم أكد شارون قراره حين أعلن قبل فترة وجيزة ان العام الحالي 2004 لن ينقضي إلا بانتهاء عرفات. فهنا اعتراف مسبق بقرار القتل من جانب من يملك أعلى صدقية في هذا المضمار. أضف الى ذلك التأكيد الاسرائيلي المعبر عنه بأشكال مختلفة بأن عرفات انتهى منذ أن أعلن عن اعيائه، وقبل أن يستفحل، أو يكشف عن نتائج تحليل الدم التي نفت احتمال السرطان (اللوكيميا). وهذا ما ينطبق عليه «كاد المريب ان يقول خذوني».
أما من جهة ثانية، فما معنى عجز التحليلات التي أجريت لدمه الذي راحت تتحطم صفائحه البيضاء عن اكتشاف السبب، أو في الأقل ان يحدد وجود فيروس غير معروف. اما إذا اكتشف ان السبب هو نوع من السموم أو الاشعاعات، فإعلانه في فرنسا ليس بيد الأطباء. ناهيك عن ان القضية سياسية خطيرة. وقد حاول البعض ان يعزوه الى «مرض غامض»، وما ادراك، هنا، ما «المرض الغامض»؟ باختصار، انه الاسم الحركي للقاتل الذي لا يراد ان يكشف عن اسمه الحقيقي. وقد نسي هؤلاء ان ما من مرض غامض واجه تكنولوجيا العصر الراهن إلا وحدد باعتباره فيروساً ما أولاً، ثم سرعان ما كشف عن مصدره. ومن ثم فإن التعمية عليه تخفي بأن السبب يعود الى ذلك السم الذي لا يعرفه غير صانعه، أو من هو في مستوى صانعه، في «علم السموم». وكان الاتحاد السوفياتي الأكثر تقدماً فيه. وقد أعلن ان عدداً من الفريق الذي طوره انتقلوا الى اسرائيل بعد انهياره. ويمكن تدعيم فرضية السم بمجموعة التساؤلات الطبية العلمية التي يطرحها الدكتور أشرف الكردي الطبيب الشهير والخاص لعرفات.
فهذا السم كما تدل سيرته في جسد عرفات هو من أولاد عمومة أو خؤولة ذلك الذي حاول الموساد أن يغتالوا به خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس». وبمثله سبق وقتل زمن الحرب الباردة عدد من الزعماء. ومع ذلك لم يكشف الى اليوم ما هو ذاك «المرض الغامض».
وبالمناسبة فمن العبث هنا ان يتهم البعض من يشير الى السم بأنه ينطلق من «نظرية المؤامرة»، لأن هؤلاء حين يبتلعون نظرية «المرض الغامض» يكون حالهم كحال الآخذين بنظرية المؤامرة، أي انهم يهربون من تحليل الوقائع والاستنتاج من القرائن ويصمون آذانهم عن اعترافات سمعوها وقرأوها. اما من جهة ثالثة، فالسؤال هل أخذ شارون الضوء الأخضر من حلفائه في الادارة الاميركية قبل ان يقدم على فعلته؟ علماً أن في هذا الموضوع اتفاقاً بين الطرفين أعلن عنه. وهو ألا يؤخذ أي اجراء بحق عرفات من دون اعلام الادارة الاميركية. لكن إذا افترضنا ان شارون خرج على الاتفاق، وهذا احتمال ممكن جداً، بسبب اطمئنانه للسيطرة الصهيونية على بوش، فإن السؤال التالي هو لماذا لم تحرك الادارة الاميركية ساكناً وهي ترى عرفات يتمزق بالسم فيما المصل المضاد موجود عند اسرائيل، كما حدث في سابقة خالد مشعل. وذلك لأن لكل سم من تلك العائلة دواؤه المضاد حتى يمكن استخدامه بطرق شتى، بما في ذلك نقله عن طريق السلام باليد، أو ملامسة الاذن (خالد مشعل)، او بنقطة في دواء أو فنجان قهوة (وديع حداد).
أخيراً وليس آخراً، لا يصعب الاستنتاج بأن التعمية على أسباب «الوفاة» مفهومة الدوافع ما دام الكثيرون يتهيأون للاسراع بفتح المفاوضات مع شارون. ومن ثم لا يستقيم اتهام شارون بالقتل العمد وما يمكن ان يترتب عن ذلك من التزامات فلسطينية وعربية ودولية، ومن ردود فعل شعبية. فالخوف من هذه وتلك هو الذي حدد أسلوب قتل عرفات ليبقى الأمر غامضاً بعد ان رفعت الحماية عنه.
لكن أين العدالة هنا؟ وأين حق عرفات إزاء قاتله؟ وأين حق الشعب الفلسطيني؟ وأين حق الكلمات التي اطنبت في الحديث عن الرمز والقائد والمؤسس والباني والأب، ثم كيف يحرم من حق الشهادة مقتولاً؟ والسؤال لسيد البيت الأبيض أولاً ولغيره ثانياً هل هذا القتل، كما التعمية عليه، هما بداية الاصلاح والشفافية والتسوية في الساحة الفلسطينية في مرحلة ما بعد عرفات؟ وهل هي رسالة الى من يأتي بعده ليتعلم «الأدب»؟ - الحياة اللندنية -