الموت الذي أقصده هنا هو الموت المعنوي، وليس الموت الطبيعي، فالأعمار كلها بيدي الله وحده. ما أرمي إليه هو موت سياسة وطريقة تفكير وممارسة لا يزال أطراف اليمين المتعصب الإسرائيلي يؤمنون بها، ولم تعد تنجز شيئاً على الأرض ولا مستقبل لها. وليس غياب ياسر عرفات بحد ذاته والذي من المحتمل أن تموت معه سياسة وسلوك، هو الذي يمكن أن ينجز السلام، كما تدعي هذه المدرسة اليمينية الإسرائيلية.

وإذا كان عرفات رحمه الله قد مات كبيراً ومهماً، فإن الكبار والمهمّين يتركون أخطاء كبيرة، لا ينكر عاقل أو منصف أن عرفات بجهاده وإصراره، وبما تمتع به من قدرات شخصية، أتعبت كثيرين في مشواره اللاهث، قد أوصل القضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه من عالمية، وتحول الفلسطيني في شخصه من مجرد لاجئ لا مستقبل له وغير معترف به، إلى أن يدفن هذا اللاجئ قريباً من القدس، وفي هذه الظروف والأحوال يعتبر هذا إنجازاً بحد ذاته، وصرف الشعب الفلسطيني في هذا المشوار الطويل نهراً مقدساً من الدم والدمع.

إلا أن ما تجمد فيه السياسي عرفات (في الأعوام العشرة الأخيرة على الأقل) هو ما يعد من الأخطاء المميتة. فقد واجه انفضاضاً من حوله من الفلسطينيين العقلاء، وإن لم يكن انفضاض بعضهم جغرافياً فقد كان انفضاضاً عقلياً وسياسياً، وإن لم يكن معلناً فقد كان خافتاً. لا جدال في ان عرفات نجح في كيفية التعامل مع السيكولوجية الفلسطينية، بل نجح في ذاك التعامل إلى حد الإبهار، إلا أن التعامل مع السيكولوجية الفلسطينية، لا ينتج تلقائياً تحقيق بعض حل واقعي مطلوب للقضية، بل يبقى ذلك التعامل منتجاً لأحلام معلقة في الهواء.

شارون وعرفات وقعا في الخطأ نفسه، ومن الممكن أن يقع فيه خلفاؤهما، إن لم تحدث عملية تبصر عميقة للمحيط و الأحداث، لقد وقعا في وهم أن «القوة المطلقة» يمكن أن تكسر إرادة الآخر. شارون وقع في خطأ استخدام القوة الفظة، فانتهى به الأمر الى أن أقام سوراً لا لمنع الفلسطينيين من العبور إلى إسرائيل، وانما ايضاً لتطويق الإسرائيليين في «الغيتو» الذي يمقتونه تاريخياً. وعرفات وقع في خطأ استخدام القوة المعترضة عن طريق «عسكرة الانتفاضة» أو صرف النظر عن تطويرها لعمل سياسي يفضي إلى واقع جديد، خصوصاً بعد أن تطور الوضع الدولي بعد الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد، وانتهى به المقام بسبب القراءة الخاطئة الى أن أصبح معزولاً في بضع عشرات من الأمتار، كالمسجون في سجن ضيق أو أشد.

القيادتان اللتان وجدتا في هذا المحيط من السياج المادي و المعنوي حولهما، لم تستطيعا أن تقدما لشعبيهما شيئاً أفضل من الصراخ و المزيد من الدماء. السٌوران الفلسطيني والإسرائيلي لن يتحطما باستخدام القوة العسكرية، فلا الفلسطينيون قادرون على كسر إرادة إسرائيل بالقوة النسبية، ولن يكسر الإسرائيليون إرادة الفلسطينيين بالقوة القهرية، وعلى اختلاف أشكال القوة، لن يتحقق مخرج، إن لم يتخلل ذلك تحكيم العقل.

الإقناع بدلاً من التهديد

الفلسطينيون في العهد العرفاتي تجاوزوا فكرة أخرى مركزية، وهي «الديموقراطية»، وقد تجاوزتها مع الأسف قيادات ثورية عربية غسلت أيديها من الديموقراطية من خلال التلاعب اللفظي أو التبرير الايديولوجي لرفض الديموقراطية، ولو عرفت تلك الأحزاب والدول كيف تتعامل مع الديموقراطية، لأصبحت حالنا جميعاً اليوم أفضل، وربما بعشرات المرات مما هي عليه.

إلا أن تجاوز الديموقراطية في الفضاء الفلسطيني، كان بمثابة الدمل في الجسم الذي ينضح قيحاً.

لا أقصد بالديموقراطية هنا صناديق الانتخاب، ولا الديموقراطية الشكلية من ترشيح وانتخاب، إنما أقصد الديموقراطية التي قد تُخَسّر (بتشديد السين) بعض الأشخاص في المدى القصير، لكنها تُربّح الشعب كله في المدى المتوسط والطويل، إنها ديموقراطية التداول لا الفرض، والتغيير لا الثبات.

ليس خافياً أن هناك ظلالاً كثيفة من «التهديد والوعيد» التي تصل إلى حد «الابتزاز» بين الفرق والأجنحة الفلسطينية، التي تستخدم إما السلاح المباشر، أو شعارات التخوين أو حتى التكفير، من أجل فرض رؤيتها الخاصة على مسيرة العمل السياسي الفلسطيني، وهي ظاهرة تنتعش في المجتمعات الديكتاتورية أو شبه الديموقراطية، لكنها تختفي في المجتمعات الديموقراطية الحقيقية، التي ينتهي خلافها بقفل صناديق الانتخاب، والسير خلف ما تقرره القيادة المنتخبة بالغالبية، ولا تحتكم مطلقاً للسلاح لحل الخلاف السياسي. لقد وقع من الضحايا الفلسطينيين برصاص رفاقهم ما يقارب من استشهد بالرصاص الإسرائيلي، وهي ظاهرة من مظاهر التخلف.

ربما يقول البعض إن الديموقراطية الفلسطينية مطلب مثالي في مثل أحوالهم، إلا أن هذا البعض مخطئ في قراءة العصر والفضاء المحيط. فهذه إسرائيل يجري فيها التداول السياسي، ويظهر فيها الرأي والرأي الآخر، وتطبق في مجتمعها القوانين المرتضاة، لكنها ليست على خلاف في الثوابت، أو ما تعتقد أنه ثوابت نسبية. فشارون غير ناتنياهو، غير باراك، غير شيمون بيريز، غير اسحق رابين. وهي أيضاً مجتمع ليس آمناً بالمعنى المطلق للكلمة، لكن الاحتكام في ما يختلفونا فيه يتم بالسياسة و ليس بالقوة، فالديكتاتورية ليست مرادفة للأمن، وليست بديلاً من الفوضى، كما يريد البعض أن يتوهم، إنها بالضبط محرك للفوضى، وعامل من عوامل عدم الأمن في المدى المتوسط.

ليس خافياً على المتابع أن هناك قوى فلسطينية في الداخل والخارج، تزايد على أي موقف سياسي من منطلق غير مسؤول، وهي تمثل قلة نسبية في أعداد الشعب الفلسطيني، وتدعي أنها تمثله، قوتها تلك نابعة من الصوت العالي وليس من قناعة منبثقة عن الناس العاديين في الظروف العادية البعيدة عن التهديد، وليس خافياً أيضاً أن منظمة التحرير الفلسطينية تحمل بين صفوفها (دكاكين) صغيرة، أكثر من منظمات جماهيرية، وأن الراحل أبو عمار رحمه الله كان، وربما كان معذوراً، يجامل تلك الفصائل، ويتعامل معها بأبوة تصلح ضمن العائلة أو القرية، ولكنها تتنافى مع شكل الدولة الحديث، فأصبحت قوتها من جراء الهامش المعطى لها أكبر بكثير من حجمها الحقيقي بين المواطنين.

هناك ثلاث قضايا يحتاج الفلسطينيون أن يفكروا فيها بعمق اليوم، الأولى هي توحيد فصائل (الأمن) والثانية تنظيم المال، والثالثة نزع عسكرة الانتفاضة، المعضلات الثلاث تلك سوف تواجه أي قائد فلسطيني قادم، ولعلنا قد سمعنا الأسبوع الماضي كيف استهدف محمود عباس (أبو مازن) في غزة كمؤشر للتهديد والوعيد وبقوة السلاح، حتى يظل هو أو غيره منصاعين ينظرون خلف أكتافهم في كل خطوة يخطونها!

السلطة الفلسطينية اليوم شبه دولة، وهي سلطة تحتاج إلى توحيد قوى الأمن، ذلك أمر بديهي، حتى يكون لها عنوان معروف، وفوضى السلاح قد تكون مبررة في الشتات، ولكنها مضرّة على الأرض الوطنية، لأنها تقود إلى التهديد واستخدام القوة كما اتفق في ما بين الفصائل حتى تتحول الى حرب أهلية، وقد يكون من الأجدى الآن أن تتحول الفصائل تلك إلى أحزاب، تكون مرجعية قوتها أو ضعفها، صناديق الانتخاب، وليس أزيز الرصاص أو فوهات كواتم الصوت، ومنطقها هو قوة الحجة، لا حجة القوة.

انتقال السلطة السلس في الأسبوعين الماضيين، وإن ثمّن تثميناً كبيراً من البعض، أرى أنه محاصّة قد تقبل جزئياً بسبب الحال الموقتة إلى حين الانتخابات الموعودة، لكن مظهر المحاصّة لا يبشر بخير، ففاروق قدومي على سبيل المثال، ومن مأمنه البعيد، يظهر على الناس بالمقولات نفسها التي حفظها منذ ثلاثة عقود، وهو لم يمس بيده تراب فلسطين بعد، و«الأبوات» أجدى لهم أن يسلموا الراية إلى جيل جديد عاصر وعانى الاحتلال، وتعلم كيف ومتى يحاوره، فقد أعطوا ما يستطيعون مشكورين في السابق، ولو فعلوا ذلك وعن طريق الانتخابات المقبلة الحرة والنزيهة، لقدموا درساً مميزاً للعالم، ووجدوا أن الالتفاف العالمي حول قضيتهم غير مسبوق.

بالطبع هو أمر يحتاج إلى تغيير جذري في الطرف المقابل الإسرائيلي بموت سياسة شارون، ولكن دراسة المبادرات الخلاقة من الطرف الفلسطيني، في هذه المرحلة التاريخية والمنعطف الكبير، يمكن أن تؤثر بقوة إلى الأفضل في مسيرة نضال الطويل والمرير لأهلنا في فلسطين، من أجل عيش كريم ووطن مؤمل. ٭ كاتب كويتي. - الحياة اللندنية -