أينما يذهب الفلسطيني، الى العمل والمدرسة والمستشفى والحقل وحفل الزفاف والمقبرة، يصطدم بالاحتلال العسكري. والاحتلال في هذا البلد المنكوب صار مرادفاً للقهر والاشمئزاز والاذلال والعذاب والموت. وبناء على ثنائية الاحتلال ومخلفاته فان كل الشعب يرغب ويحلم بيوم الخلاص من الاحتلال. والآن عند الحديث عن الانتخابات نصطدم ايضاً بالاحتلال، فما قيمة الناخب والمنتخب في ظل الاحتلال.. قبل يومين كنا مدوعوين لحضور ندوة حول الانتخابات يتدحث فيها رئيس المجلس التشريعي المؤقت حسن خريشة، وبعد انتظار أبلغنا بأن الحاجز العسكري منعه من المرور. وهذا يؤكد انه لا يمكن النظر للانتخابات والحياة الديمقراطية الفلسطينية بدون ذهاب الاحتلال في اجازة "على الاقل". وبدون فتح افق سياسي ملموس، وتوفر ارادة دولية لانهاء الاحتلال. عندئذٍ يصبح بالامكان اقناع اكثرية الشعب الفلسطيني باعطاء فرصة للمسعى الدولي الجديد، وبتحضير الذات للحل السياسي الموعود.

وفي كل الاحوال، سواء جرى الانتقال لخيار المفاوضات والحل السياسي، او استمر خيار الانتفاضة، فان البيت الداخلي الفلسطيني بحاجة ماسة وضرورية لاعادة الترتيب "ما استطعنا الى ذلك سبيلا"، كما لا يمكن ولا يجوز فصل الخطوات الداخلية عن الهدف المقدس: انهاء الاحتلال والخلاص من شروره. واذا اخذنا بعين الاعتبار ان الاحتلال يريد سلطة متعايشة تخفف عنه الاعباء وتبقى في ظله، فكيف السبيل الى سلطة تنتزع صلاحيات الاحتلال وتمضي قدماً في الطريق الى السيادة والاستقلال؟

كل القضايا أمامنا متشابكة انتخاب الرئيس وثيق الصلة بانتخاب المجلس التشريعي. بل ان انتخاب مجلس جديد بعد تجاوز ضعف المدة المقررة للمجلس السابق هو أكثر حاجة واهمية. والتغيير في بنية السلطة يرتبط أوثق ارتباط بتجديد بنية الحركة السياسية الفلسطينية (فتح واخواتها)، ومن خلال العملية الديمقراطية - الانتخابات-. فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية في السلطة والمجتمع بدون ديمقراطية في الاحزاب والتنظيمات، والديمقراطية يصنعها ديمقراطيون ويشترط وجودها في المجتمع بوجود احزاب وتنظيمات ديمقراطية قولاً وفعلاً.

قد يتذرع البعض بالشروط الاحتلالية القاسية التي لا تسمح باجراء الانتخابات وممارسة الحياة الديمقراطية. لا يمكن القبول بهذه الذريعة لان الجسم الاعظم للحركة السياسية بمختلف فصائلها ومؤسساتها هو جسم علني ومعروف للاحتلال والجزء الأقل والاصغر هو الجزء السري الذي لا يستطيع مزاولة النشاط العلني. لقد جرى تأجيل كل انواع الاصلاح والتجديد والمحاسبة الى ما بعد الحل الدائم واقامة الدولة. لكن هذا التأجيل المستديم والمفتوح أدى الى حدوث تشوهات لا حصر لها، قادت في تجلياتها الاخيرة الى تحول التنظيمات الى عبء وعائق امام النضال الديمقراطي ، بدلاً من دورها المفترض القادر على حل مشكلات المجتمع.

الآن وبعد رحيل الزعيم، لا نستطيع مواصلة العمل السياسي والحياتي بالطريقة القديمة ذاتها. لا يمكن لأي قائد سياسي جديد ان يحل مكان الزعيم ويمارس صلاحياته ودوره.ان أي استمرار وتواصل يتطلب اعطاء المؤسسة ذلك الدور وحمايتها بمنظومة القوانين وبثقافة التحديث والبناء وتغليب المصلحة العامة على المصالح الفردية. ولا يعني التحول الى المؤسسة عودة للبدايات الصفرية، والتنكر للتجربة النضالية السابقة.إن التحول يقتضي التمسك بكل ما هو متقدم ومضيء في تجربة الحركة الوطنية، ويقتضي تجاوز كل ما هو سيئ ومقيت وضار. كما لا يعني التحول الى المؤسسة تقاسم الارث، وتحسين الحصص والمواقع والحفاظ على المكاسب والامتيازات كما يعتقد البعض. لا شك في ان عملية الانتقال من مرحلة الزعيم والرمز الوطني الى مرحلة المؤسسة، عملية صعبة وشائكة، وستجابه بمقاومة وعناد، لكنها ممكنة وخاصة اذا تم الالتزام بمعايير موضوعية تنطلق من المصلحة الوطنية العليا للشعب وتسعى الى تحقيقها. ويمكن اجمال المعايير بالآتي:

اولاً: التمسك بالاهداف الوطنية الواقعية والعقلانية التي تمثل الحد الأدنى الوطني وفقاً للحقوق التاريخية، والحد الاقصى الوطني وفقاً للشرعية الدولية.

والمقصود بواقعي وعقلاني هنا، ان سقف المطالب الفلسطينية هو الشرعية الدولية.

وفي هذا السياق، فان الاستقطاب سيكون بين الاتجاه السياسي الذي يتمسك بتلك الاهداف ضمن استراتيجية وطنية تعطي المجتمع الدولي فرصاً جديدة لترجمة الحل السياسي على الارض، ولا تستبعد خيار النضال في حالة فشل الحل السياسي. وبين اتجاه سياسي آخر يقبل بحلول اقل من الشرعية الدولية، واتجاه سياسي آخر يلتزم بالحقوق التاريخية بمعزل عن الشرعية الدولية.

ثانياً: ممارسة الديمقراطية قولاً وفعلاً. عبر وضع مجموعة من الانظمة والقوانين تقيد الناس بالنظام والقانون. وعبر ترجمة الديمقراطية في الحياة التنظيمية كاحترام الاكثرية لحق الاقلية في العمل من اجل التحول الى اكثرية. واحترام الاقلية للقرارات الصادرة عن الاكثرية. واعادة بناء المنظمات والاتحادات الشعبية. ويتم الاستقطاب والمفاضلة بين الاعضاء والكوادر والقيادات الديمقراطية واعضاء وقيادات اقل ديمقراطية او مناهضة للديمقراطية.

ثالثاً: اعلان الحرب على الفساد والفاسدين في اطار التنظيمات ومؤسسات السلطة والمجتمع. وتكون المفاضلة في الانتخابات بين اصلاحيين يطرحون الحد الأقصى بوقف الفساد ومحاسبة الفاسدين بأثر رجعي وتصويب التوظيف بأثر رجعي، وبين اصلاحيين يطرحون الحد الأدنى بوقف التدهور على جبهة الفساد وعدم اضافة فساد جديد. تكون المفاضلة بين المناهضين للفساد قولاً وضالعين به عملاً، وبين المناهضين للفساد قولاً وعملاً.

رابعاً: اعادة الاعتبار للنضال الاجتماعي ونشر الثقافة التي تجمع بين الاصالة والحضارات الانسانية والتحديث والتنوير، ورفع الغبن عن العمال والنساء والمعلمين والفقراء والذين لا يملكون. وستكون المفاضلة بين متنورين يسعون الى تطوير المجتمع وتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية وبين محافظين وظلاميين او متواطئين مع دعاة التخلف. مفاضلة بين الذين يلتزمون بالقبيلة والعشيرة والعائلة والجهوية وما تحمله من إرث سلبي في مجال التعصب والانغلاق. وبين الذين يلتزمون بالتنظيم السياسي والمؤسسة والمجتمع المدني وحق المواطنة. اذاً، ستكون المفاضلة في الانتخابات المقبلة بين برنامج وآخر بين موقف للاستهلاك والدعاية الانتخابية، وموقف مبدئي للتطبيق. ومن المنطقي والطبيعي ان يتم الانحياز للمرشح الذي يلتزم بموقف سياسي اكثر تماسكاً، وبموقف اكثر ديمقراطية،وبتجسيد سياسة الانفتاح على الاجيال الجديدة والقوى الحية في المجتمع . وللمرشح الذي يحترم المؤسسة وجمهور الناخبين، وللمرشح الذي يحارب الفساد ولا يمارسه سراً وعلانية. للمرشح الذي ينتصر للفقراء ويرفع الغبن عن المظلومين، للمرشح الذي ينتمي لثقافة انسانية غير متعصبة، ولمرشح يقرن الاقوال بالافعال.

هذه المعايير التي يمكن تطويرها، هي معايير للترشح والانتخاب، اما المعايير الاخرى من نوع جيل اول وجيل ثان وثالث، ومواطن وعائد وقيادة تاريخية وقيادة شابة، وضفة وقطاع، هذه المعايير لا تصلح بتاتاً الا لاصحاب المصالح الفردية الضيقة.