حدد وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز مهلة من عشر سنين لإنهاء المستوطنين دورهم التاريخي في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ حرب 1967، والذي لم يجد فيه موفاز ما يلبّي حاجة أمنية إسرائيلية كما كان يُزعم من قبل، فما تسميه إسرائيل جدار الأمن ، الذي تمضي قدما في بنائه في عمق أراضي الضفة الغربية، صار هو الوسيلة أو الطريقة الفضلي لحماية أمنها من الفلسطينيين.
ويمكن النظر إلي فترة السنوات العشر المقبلة، التي بدأت الآن، علي أنّها الفترة التي سيستغرقها تنفيذ الحل الانتقالي طويل الأجل ، الذي تصرّ حكومة شارون علي السير فيه قبل ومن أجل إنجاز الحل النهائي ، الذي يلبّي، في المقام الأوّل حاجات إسرائيل، ولا يلبّي أي حاجة أو مطلب فلسطيني تتعارض، أو يتعارض، مع تلك الحاجات، فالسلام، في جوهره الجديد، يجب أنْ يكون يهوديا إسرائيليا، تنجزه الدولة اليهودية من جانب واحد إذا لم تجد شريكا فلسطينيا لها في إنجازه.
ولكن، ما هو هذا الدور التاريخي الذي أدّاه المستوطنون منذ سنة 1967، وينبغي لهم إنهاؤه في السنوات العشر المقبلة؟ عن هذا السؤال أجاب موفاز قائلا: استيطان الضفة الغربية سيرسم الحدود (بين إسرائيل والفلسطينيين). هذا سيكون أحد أكبر إنجازات الاستيطان. المستوطنون (الذين خرجوا من قطاع غزة ومن أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية) سيواصلون مهمتهم في استيطان أرض إسرائيل عندما ينتقلون إلي النقب والجليل والضواحي .
وغني عن البيان أنّ موفاز ما كان ليتحدث عن هذا الإنجاز التاريخي العظيم الذي أحرزه المستوطنون والاستيطان لو لم يقرّ الرئيس بوش، في رسالة الضمانات التي سلّمها إلي شارون، بحق إسرائيل (الذي يستمد شرعيته، بحسب الرسالة ، ليس من القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة؛ وإنّما من استحالة تغيير الحقائق الديمغرافية الجديدة) في أنْ تضم إليها المناطق الاستيطانية الكبري، التي تشمل، بحسب الحدود التي يرسمها الجدار الأمني 58 في المئة من مساحة الضفة الغربية، والتي تقع فوق خزّان مياه الضفة الغربية.
وبما يتفق وإقراره، أيضا، بحق إسرائيل في أنْ ترفض عودة لاجئين فلسطينيين إليها، بدا الرئيس بوش مؤيدا لتجريد الدولة الفلسطينية (ذات الحدود الانتقالية) من عمقها الجغرافي في منطقة الغور، التي قد يُنشر فيها، مستقبلا، قوات أمريكية، وتُقام فيها مستوطنات لقسم كبير من اللاجئين الفلسطينيين. لقد ادّعي شارون أنّ خطة فك الارتباط ، مع الجدار الأمني ، ليست بالخطة السياسية، فهي خطة أمنية صرف، تستهدف، في المقام الأوّل، حماية المدن الإسرائيلية من القنابل البشرية الفلسطينية. غير أنّ موفاز دحض، عن غير قصد، هذا الادّعاء إذ صوّر الخطة علي أنّها خطوة تاريخية؛ لأنها تهدم إستراتيجية عليا لدي الفلسطينيين.. الدولة الفلسطينية ستري النور بعد سنوات، وبعد سلسلة اتفاقات انتقالية، وفكّ الارتباط أحدها .
وهذا الهدم يُنجَز مع تمكّن إسرائيل، بمساعدة الولايات المتحدة، وغيرها، من أنْ تفرض علي الفلسطينيين الحل النهائي، الذي تتضمنه إستراتيجيتها العليا الجديدة، والذي من مقوّماته أنْ تضم إليها 58 في المئة من مساحة الضفة الغربية، وأنْ تحلّ مشكلة حق العودة في طريقة تمنع عودة أي لاجئ فلسطيني إليها، فالعودة صارت، بحسب رسالة الضمانات ، حقا لكل لاجئ علي أنْ تكون إلي الدولة الفلسطينية حصرا.
إنّ الوهم بعينه أنْ يعتقد أي فلسطيني أو عربي أنّ الولايات المتحدة يمكن أنْ تري مصالح إسرائيل وحاجاتها الأمنية بغير عينيّ الدولة اليهودية، التي لديها من المخاوف الأمنية المصطنعة ما يكفي لالتهام القسم الأكبر والأهم من الحقوق والمطالب القومية الفلسطينية المعترف بها دوليا، فكيف لنا أنْ نتوقع أو نأمل أنْ تسعي القوة العظمي في العالم إلي حل نهائي، للتحرر من تلك المخاوف، ونحن نري الرئيس بوش يؤكد في مناظرته التلفزيونية مع منافسه الديمقراطي كيري أنّ بلاده قد شنّت الحرب علي العراق من أجل أنْ تعيد بناءه في طريقة تضمن لإسرائيل مزيدا من الأمن؟! - القدس العربي -