ما الذي يفعله آرييل شارون وجيشه في قطاع غزة ؟ إن عملية القتل الجارية هناك كفيلة بأن تثير غضب العالم، ولكن العالم كله صامت وكأن الأمر لا يعنيه، ولولا صوت فرنسي معترض، ولولا مناشدة من أمين عام الأمم المتحدة، لكان الصمت العالمي كاملا مائة في المائة.
إن دوافع الفلسطينيين في ما يجري معروفة وواضحة، إنهم يرفضون الاحتلال الإسرائيلي ويقاومونه، وهذا يثير غضب رئيس الوزراء آرييل شارون. ولكن ما يثير غضبه أكثر أنه بعد أربع سنوات من الانتفاضة، وبعد أربع سنوات من القمع الإسرائيلي للانتفاضة، وبعد أربع سنوات من اغتيال القيادات (ما يزيد عن المائتين)، فإن تنظيمات الانتفاضة لا تزال حية، بل لا تزال قادرة على تطوير عملها، وهذا هو بالذات ما يزيد من غضب شارون. لقد واجه الفدائيون جيش الاحتلال بوسائل قتال بدائية. واجهوه بصواريخ تنفجر ولا تحدث أكثر من اضرار طفيفة، ولكن الإسرائيليين فوجئوا بأن هذه الصواريخ البدائية تطورت، وأصبحت تدمر قليلا وتصيب مستوطنين وتقتلهم.
وواجه الفدائيون دبابات الجيش الإسرائيلي بالبنادق، وكان رصاص البنادق يطيش فوق جسم الدبابة من دون أن يخلف أثرا، ولكن الفدائيين تمكنوا من إدخال سلاح الهاون والآر بي جي إلى ميدان المعركة، وأدى ذلك إلى نسف دبابات وتدميرها، وأصبح توغل الجيش الإسرائيلي داخل التجمعات الفلسطينية مكلفا، ولم يعد نزهة يسيرة. وفي كل هذه المواجهات كانت مواقع الجيش الإسرائيلي حصينة لا تخترق، وإذا بالفدائيين يشقون الطريق الصعب والبعيد والمراقب ويقتلون الجنود الإسرائيليين في مواقعهم الحصينة، وكل هذا أثار غضب شارون أكثر فأكثر.
لقد جرّب على مدى أربع سنوات كل ما يمكن أن يخطر على بال عسكري متوحش، هاجم ودمر وشرّد وقتل وجرّف واغتال، وهدفه أن يقضي على الانتفاضة، وأن يستلب إرادة الصمود الفلسطينية، وأن يجد أمامه قيادة جديدة ترضخ له وتنصاع، ولكنه يجد النتائج أمامه معاكسة لما يريد. وهكذا لم يعد أمامه سوى اللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة، وهذا ما يفعله شارون في قطاع غزة في حملته العسكرية الحالية، ناسيا أو متناسيا، أن محتلين كثر غيره، واجهوا الظروف نفسها، ولجأوا أخيرا إلى أسلوب الأرض المحروقة، وفشلوا بالرغم من ذلك.
إن شارون يخطط لانسحاب من قطاع غزة على أربع مراحل: انسحاب يستمر لمدة عام كامل، وهو يصحو وينام على كابوس أن يقول الفلسطينيون إن شارون هرب من قطاع غزة، وإن الجيش الإسرائيلي خرج مهزوما، وحتى لا يحدث ذلك، وحتى لا ينتهي تاريخه العسكري بهذه الوصمة، فإنه يتطلع إلى «إنهاء» الفلسطينيين حتى لا يكون هناك من يملك القدرة على قول ذلك. إنه يخشى أن يبدأ الجيش الإسرائيلي بالانسحاب وأن تلاحقه أثناء ذلك بنادق المقاتلين، وهو يريد أن يقتل كل المقاتلين حتى لا تطلق على جيشه وهو ينسحب رصاصة واحدة. وإذ يجد نفسه عاجزا عن ذلك فإن غضبه يزداد، وهو يستمتع بذلك الغضب، حتى أنه يستخدمه كجزء من دبلوماسيته الدولية، ولكن مهما حاول شارون أن يفعل، ومهما ازداد حجم القتل الذي يمارسه، فإن وصف المهزوم سيلاحقه شاء أم أبى عندما يبدأ الانسحاب من قطاع غزة.
إن مشكلة شارون ليست مع الفلسطينيين وحدهم، إنها مشكلة مع العالم كله، إنه يريد فرض مخططه على الفلسطينيين وعلى العرب وعلى اللجنة الرباعية وعلى الولايات المتحدة الأميركية. يظن أن العناد وحده يمكن أن يوصله إلى هدفه، إنه يعرض خطة الانسحاب المنفرد من قطاع غزة حتى يتخلص من «خريطة الطريق» التي تدعمها اللجنة الرباعية، إنه يقدم للعالم «طعما» اسمه الانسحاب من غزة، كي يحتفظ بالجزء الأكبر من الضفة الغربية. وآخر التجليات في الكشف عن هذا الهدف «التآمري» على مستوى العالم، ما قاله وزير دفاع آرييل شارون قبل أيام فقط، عند حديثه عن حدود دولة إسرائيل، حيث قال «التجمعات الاستيطانية، بما في ذلك غور الأردن، ستبقى بيد إسرائيل.
الحدود في الشمال (سوريا) يصعب تحديدها، ولكنها لن تكون مغايرة للحدود القائمة اليوم، السوريون لن يصلوا إلى شواطئ طبريا. والقدس ستبقى عاصمة لإسرائيل ولن تكون مقسمة». هذا هو الحل (الانسحاب) الذي يتطلع شارون إلى فرضه على الفلسطينيين وعلى العالم تحت ستار كلمة «الانسحاب» الايجابية من قطاع غزة.
لنفرض أن هذا المخطط قد تم تنفيذه، فهل سيكون نهاية لـ «الشر الإسرائيلي»؟ الجواب بلسان الإسرائيليين هو: لا. وها هو وزير الدفاع الإسرائيلي يبشرنا بأن الشر سيتسع وسيصل إلى حدود إيران، وأن إسرائيل تستعد لمواجهة ما تعتبره خطر إيران. إنه يقول «سنحافظ على قدراتنا الفائقة جويا، فنحن ما زلنا نعيش في محيط معاد، والخطر ما زال قائما». وهو يقول أيضا «إن عملية انهيار النظام في ايران ستبدأ من الداخل، وخلال عشر سنوات سنكون في خضم عملية تقود نحو نظام ايراني مؤيد للغرب، وعندها ستعود العلاقات بيننا إلى سابق عهدها إبان الشاه، وإيران ستبقي حزب الله كذراع أمامية لها في لبنان، ولديه هناك آلاف الصواريخ بعيدة المدى، ولكن حزب الله سيختفي بعد عشر سنوات»، إنها إذا حرب السنوات العشر المقبلة.
ولكن كيف يستقيم منطق الرؤية لجيش يريد أن يتصدى لحرب جديدة تدوم عشر سنوات، وتصل إلى أقاصي حدود ايران، بينما هو عاجز عن احتواء حفنة من المقاتلين في مخيمات اللاجئين في قطاع غزة ؟ لا جواب على هذا السؤال إلا بمراقبة الغطاء السياسي والعسكري والمالي الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل وجيشها. إن المعركة ضد ايران هي معركة أميركية بالدرجة الأولى، وجيش إسرائيل هو أداة أساسية في هذه المعركة. لقد أعدته تاريخيا من أجل الحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط، وها هو يستعد للعب دور «المرتزق» المطلوب منه. ألم يقل مناحيم بيغن مبررا طلباته الكثيرة من واشنطن بعد هزيمة حرب عام 1973 «إن إسرائيل هي أرخص قاعدة حربية للولايات المتحدة الأميركية»؟
في وسط هذه المأساة المنذرة بالحروب الإقليمية المتواصلة، والتي يتحمل فيها الشعب الفلسطيني عبء الصدمة الأولى، تمارس الولايات المتحدة الأميركية سياسة خارجية تتسم حتى بانعدام الذوق. فكلما قامت إسرائيل بعملية قتل في مخيمات الفلسطينيين، خرج علينا كولن باول وزير الخارجية الأميركي بتصريح ضد سوريا. إنه يرى تواجد سوريا في لبنان بعدسة مكبرة، ثم يصاب بالعمى حين يتطلع صوب الاحتلال الإسرائيلي وأفعاله. وكلما شنت إسرائيل غارات على المدنيين الفلسطينيين (26 شهيدا والعمليات مستمرة)، خرج علينا كولن باول بتصريحات تدين الإرهاب الفلسطيني. إن الفلسطينيين حسب باول، يمارسون الإرهاب، أما الإسرائيليون فإنهم يدافعون عن أنفسهم، ذلك أن الضحايا هم دوما مخطئون حسب القانون الأميركي. هل يوجد غطاء سياسي لجرائم إسرائيل أفضل من هذا الغطاء ؟ إن الولايات المتحدة وهي تعد إسرائيل لحرب السنوات العشر المقبلة، ترى في الشعب الفلسطيني، وترى في الانتفاضة الفلسطينية، وترى في القيادة الفلسطينية، عقبات يجب التخلص منها حتى يستقيم لها ما تريد. فهل سيستقيم لها ما تريد؟ - الحقائق -