يعترف ناطق باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية في تصريح نشرته جريدة "لوفيغارو" الفرنسية يوم 4 تشرين الأول/أكتوبر الجاري بأن اسرائيل لم تتلق الى حد الآن "أي ضغط حقيقي من طرف البلدان الأجنبية التي تدرك في الغالب أنه لا يمكن لاسرائيل السماح بأن تكون بعض المناطق أهدافا لقذائف صاروخية التي يطلقها ارهابيون بغاية إنشاء حالة من الفوضى لقطع الطريق أمام مخططنا في اعادة الانتشار".
وكما ترون، فهذا التصريح يكشف – دون أن يكون ذلك تحديدا هو قصد المتكلم – الى أي حد يتسامح المجتمع الدولي مع الجرائم الاسرائيلية (: لم نتلق أي ضغط حقيقي)، حين يتساقط الفلسطينيون بالعشرات – 60 قتيلا الى حد كتابة هذه السطور-، ويسارع الصامتون الآن الى إدانة أي عمل تقوم به المقاومة الفلسطينية، ويرون فيه عدوانا ظالما على "الاسرائيليين الآمنين والمسالمين".
والحقيقة أن عدم الضغط الحقيقي على اسرائيل لا يعني غير شيء واحد، ألا وهو تشجيع العنف الاجرامي الذي يمارسه الجنرال شارون، بذريعة الدفاع عن أمن الاسرائيليين. وأبعد من ذك : كيف يمكن أن يفسر الفلسطينيون – وهم ضحايا هذا العنف – هذا الموقف السلبي من طرف الدول الكبرى التي لها نفوذ في الأمم المتحدة وتأثير على الحكومة الاسرائيلية؟ وكيف يمكن أن يطالب المجتمع الدولي بعد ذلك – وفي مقدمته الولايات المتحدة – السلطة الفلسطينية بردع النشيطين في المقاومة المسلة ؟ السلطة الفلسطينية التي أنشئت قاصرة، زادوا في تقزيمها، بالموافقة الصامتة على وضع ياسر عرفات في الاقامة الجبرية، وقطع كل انواع المساعدات، وترك المجال مفتوحا للجنرال شارون كيما يشفي غليله وشهوته للدم. وبدت المسألة في ظل هذا الصمت المخيف وكأن مجموعة الدول المتنفذة – ولا نقول المجتمع الدولي، لأن هذه التسمية تحتوي دولا مغلوبة على أمرها، كدول الجامعة العربية مثلا!- تعاقب السلطة الفلسطينية – وياسر عرفات تحديدا – على عدم رضاها بضاحية أبوديس كعاصمة للدولة الفلسطينية بدلا من نصف القدس، وعدم رضاها بنسيان قضية اللاجئين، وعدم رضاها بأن تكون خادمة مطيعة لاسرائيل مستجيبة لضغوطها واملاءاتها.
هذه هي القضية، كما يبدو. إن كل شيء يعود إذا الى كون عرفات لم يكن "طيعا" بالطريقة التي يريدون. ومن ثم، فقد أصبح اسقاطه واجبا. وفي الأثناء، لا مانع من أن تمهد دبابات شارون الطريق وتعبده بالجثث الى أن يحل أوان المفاوضات القادمة. وهذا ما يحدث عندما يكره الفلسطينيون حياتهم أكثر ويغدون مستعدين لتوقيع أي صلح وأي تفاهم مع أعدائهم.
وإذا لم تكن هذه هي الحسابات، فهل يعقل إذا أن يقتل شارون كل هؤلاء الناس ولا يتجرأ أحد من أصحاب النفوذ على الضغط عليه ؟ من يصدق أنه ليس بإمكان الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة ولا الحلفاء الغربيين أن يفعلوا شيئا لايقاف شارون عند حده؟ لماذا كان من السهل أن يضربوا ميلوزيفيتش ويجرجروه الى المحكمة، وأن يفعلوا نفس الشيء مع صدام حسين، في حين لم يتصور أحد منهم أي امكانية للضغط – مجرد الضغط وليس الحرب – على حكومة شارون؟ - ميدل ايست اونلاين -