لا تزال السياسة العربية الرسمية تحاول ان تتعايش مع الكوارث القومية كما لو كانت تجري في عالم آخر.

ولربما كان مأزقها الاكبر الراهن ليس هو تأهيل الاحتلال الامريكي للعراق، والتعامل معه كما لو كان مصيبة لا راد لها وامست تخص قطرا معينا وحده، بل الادهي من ذلك هو القطع مع القضية الفلسطينية بالاتجاهين مع الشعب الفلسطيني من ناحية ومع فلسطين والتحدي الصهيوني، باعتبارهما قضية قومية وتخص كل العرب ومستقبلهم الحضاري بل الوجودي. فالهجمة الامريكية وبعد اجتياح العراق، ليست سوي مقدمة عسكرية لهجمة سياسية واستراتيجية شاملة علي الثوابت والمعتقدات المكونة للشخصية العربية المعاصرة. وقد تعلمت الامبريالية الامريكية ان اهم محرك للايديولوجيا العربية هو تواصلها مع الحدث الفلسطيني والمواجهة الكلية مع اسرائيل والصهيونية. ولذلك ينبغي ولا بد من قطع هذا التواصل بأي ثمن. والحرب والاحتلال المباشر لن يكونا سوي بعض العناصر المستجدة علي اساليب التكتيك التي يتطلبها تحقيق هذا الهدف المركزي، الا وهو تحييد العرب عن فلسطين وتحييدهم تجاه بعضهم في وقت واحد. فالقطع مع فلسطين والمواجهة الدائمة مع اسرائيل والصهيونية العالمية، لن يكتب لهما النجاح الا اذا تتابع انجاز القطع والتفاصل فيما بين الكيانات الدولتية القائمة، وفيما بين المجتمعات العربية في وقت واحد.

يمكن القول انه خلال عامي الحرب والاحتلال للعراق قد تقدمت هذه الاستراتيجية خطوات واضحة وخطيرة علي طريق الهدف التمزيقي الجديد للواقع السياسي العربي عامة، ولتاريخ التواصل العضوي مع فلسطين. فقبل اتفاقية اوسلو بسنوات طويلة تم اول فصم كياني عميق مع اتفاقية كامب ديفيد التي انتزعت اكبر قطر عربي، ليس في الحجم وعدد السكان فقط ولكن في الدور الحضاري المحوري، وفي الموقع القيادي الاول في السلم كما في الحرب، انها مصر واسطة العقد العربي. ومع انتزاع هذا القطر خيل للامبريالية الامريكية ان الطريق اصبح مفيدا ليس في احلال الهزيمة العسكرية النهائية في الجانب العربي دونما حرب شاملة فحسب، بل في التمهيد الحتمي لانتزاع شعب فلسطين من صميم قضيته نفسها، بعد ان يتم عزل هذه القضية عن عمقها القومي والاستراتيجي، ومن مدخله الرئيسي الذي هو مصر وما تمثله. فلقد قضي العرب السنوات الفاصلة بين اتفاقيتي كامب ديفيد واوسلو في محاولة التعويض عن الثقل المصري في موازين قواهم كلها فما افلحوا. ودون حاجة الي استحضار عناوين هذا الفشل البنيوي يكفي الاختصار بالاشارة الي اندلاع كل الاسباب المصطنعة لتفجير الحرب الاهلية في لبنان، والعجز المتفاقم للدول العربية وللحليف السوفييتي الكبير عن التدخل الفعلي في حسمها، ثم في ردع اول اجتياح اسرائيلي لعاصمة عربية هي بيروت. لقد استنتج الجميع آنذاك ان الحربين الاهلية والاسرائيلية ما كانتا لتقعا الا كتغطية للكامب ديفيد التي سبقت بل عاصرت تقريبا وقوع الكارثتين كيما ينشغل الرأي العام العربي والرسمي معا عن معالجة عقابيل تلك الاتفاقية وتداعياتها المنتظرة في الخلل الفادح والمتنامي الذي احدثته في موازين القوي مع العدو الاسرائيلي. هذا الخلل الرهيب الذي استعصي اصلاحه وما زالت تتضاعف اخطاره البالغة، وخاصة مع تأجيج حرب اقليمية ضروس من نوع مختلف تماما، اذا تم تورط اكبر قطرين عربيين واسلاميين في المشرق بأتونها وهما العراق وايران. وكان ان سقط المشرق طيلة الثمانينات بين حمم بركانين في خاصرتيه اليمني واليسري. كذلك شهدت مصر في تلك الفترة بروز الساداتية وانهيارها، واندلاع نوع آخر من شبه الحرب الاهلية مع اولي المعارك الدموية لما سوف يدعي بالارهاب الاسلاموي، بكلمة واحدة لم يعد ممكنا ان تقوم اية قائمة ليس لسياسة دفاعية مشتركة، بل لموقف سياسي شبه موحد آنيا علي الاقل، ما بين كبار الدول العربية، وما بين بعضها المتناثر، ما عدا مجلس الاتحاد الخليجي الذي راحت تنأي به الظروف الموضوعية للمنطقة وتساعده علي تشكيل حالة من استقلالية نوعية مختلفة، ستنمو لها مواصفات مغايرة وتلعب ادوارا منتظرة من داخل وخارج السياسة العربية العامة، وبما يتفق معها في بعض حدودها الدنيا، ويتعارض معها في حدودها الوسطي فكيف في افاقها المستقبلية البعيدة نسبيا.

ان تاريخ كامب ديفيد التي يعود اليها وضع اللبنة الاولي في استراتيجية قطع القضية الفلسطينية عن سندها الطبيعي في العمق العربي من ورائها كانت هي كذلك ثمرة اخري يمكن للعرب ان يفكروا في شنها علي اسرائيل. انها حرب تشرين او رمضان التي طرحت امكانية العرب ان يداهموا اسرائيل باجتياحات عسكرية لحدودها وان يحققوا مفاجأة الضربة الاولي ويفوزوا بجولات حاسمة، وان يسجلوا ان اسرائيل ليست هي الدولة التي لا تقهر.

والاهم من كل ذلك فان تلك الحرب سجلت ان اسرائيل قابلة ليس للاختراق فحسب بل للزوال ان لم تتدخل قوة اخري عظمي لانقاذها كما فعلت ذلك تماما امريكا آنذاك. وما زالت تتابع حمايتها حتي قيام الانتفاضة الفلسطينية حينما اطلقت لها العنان في احداث نكبة دموية شاملة بمعزل تام اولا عن كل عون سياسي او مادي من قبل محيطها العربي، وبفرض الصمت المطبق علي الهيئات الدولية ازاء المجازر اليومية الرهيبة التي تمعن في ارتكابها اسرائيل دونما حسيب او رقيب.

لقد امسي العزل العربي حقيقة صارخة في الوقت الذي تتلاشي فيها ارادة التضامن نفسها وليس فحسب اي شكل من ابسط اشكاله لدي الدول والحكومات العربية بمعني ان الاذلال الامريكي اوصل معظم الحكام الي سلوك التبرؤ من اية علاقة فلسطينية، والانشغال باعطاء البراهين الملموسة يوميا عن هذا التبرؤ. والتخلي الي درجة ان معظم الدول العربية اضحت تعلن معارضتها للمقاومة بحجة الارهاب. فهذه الحجة اتاحت لها تحريم ثقافة النضال كليا ووضعها خارج القانون ومطاردة عناصرها. ولقد طال التحريم نوع المساعدات الانسانية. ونجحت امريكا في هذا السياق ايضا بفرض ما سمته تجفيف موارد الارهاب، فسوت الامر بين المساعدات الانسانية وتحويل الارهاب، وفي هذه الظروف البالغة السوء التي اضحي فيها معظم الشعب الفلسطيني لاجئا في بلاده، فاقدا للبيت والعمل والحقل، بل لم يعد له ثمة مكان آمن لاهله، واطفاله، وخاصة حاليا في قطاع غزة المنكوب.

اذا كانت كامب ديفيد قد انهت حروب العرب كدول مع اسرائيل فان اشعاع الاحتلال الامريكي للعراق يكاد ينجز المهمة الاخطر بالنسبة لفلسطين كشعب وقضية معا، في احكام القطع الانساني والمادي بينها وبين عمقها العربي. وذلك بتشديد القبضة الامريكية علي مختلف معالم السلطة العربية، بحيث لا ينصاع معظم زعمائها مجرد انصياع اضطراري للخوف المطبق من تكرار الدرس العراقي. بينما تغرق امريكا اكثر فاكثر في مستنقع الفخ العراقي الذي نصبه لها وكلاء اسرائيل المزروعون في البيت الابيض والبنتاغون، فان شارون يفوز وحده بالجائزة الكبري ليس فقط في اكمال ما لم تكمله اسرائيل في حرب الثامن والاربعين بل انه يكاد يستأصل فلسطين الثانية من صميم النظام العربي نفسه. انه بذلك ينتزع من هذا النظام قلبه الخافق كذلك، يحيله الي جثة هامدة، فان تكن امريكا لم تبلغ شأوها الاقصي الاعلي الذي كانت تحلم به من اجتياح العراق، ولن تبلغه ابدا، فان اسرائيل اضحت علي وشك انجاز الشرط الاستراتيجي الاخر الابعد مدي والي عمق المستقبل وهو بقاء وجودها واستمراره، حتي الان من تاريخها فقد نجحت في اقامة نوع الوجود المؤقت قيد الممارسة والتجريب، ولكن مع التخلي العربي الكلي عن امكانية الرد المادي والحضاري، عن امكانية العودة الفلسطينية التحريرية، والاستعادة العربية للجزء الغالي المسلوب من الوطن الاكبر، مع مثل هذا التحول الانطولوجي الاخطر في قضية الصراع العربي الاسرائيلي فان المشروع الصهيوني لن يفوز بفلسطين الفلسطينية وحدها، بل بفلسطين العرب وربما بالعــرب انفسهم كذلك.

امريكا قد تخسر معظم جولاتها في العراق، والجوهري من مشروعها، لكن اسرائيل وحدها هي التي تكسب، وعلي الجبهتين معا الفلسطينية والعربية، ولكن علي المدي القصير وربما المتوسط كذلك. ولن يكون كسبها هذا كاملا ومنجزا والي المدي البعيد، الا عندما يقبل العرب او حكامهم وباسمهم، التوقيع بالتنازل عن شخصيتهم المفهومية، عن مستقبلهم، عن مشروعهم النهضوي للحاكمة بأمرها اليوم امريكا. وهذا ما صار يشرعون في تنفيذ ادهي بنوده منذ الآن، عندما ينصاعون تلقائيا تقريبا لاستراتيجية القطع العضوي والمصيري عن فلسطين وايديولوجيا التحرير، فقد تحل النكسات وحتي الهزائم الفاضحة. والعصر العربي والمصيري عن فلسطين وايديولوجيا التحرير. فقد تحل النكسات وحتي الهزائم الفاضحة، والعصر العربي الراهن حافل بها. لكن ايا من هذه الفواجع لم تضع حدا استئصاليا للحكم العربي، للجزء الارادي الراهن حافل بها لكن ايا من هذه الفواجع لم تضع حدا استئصاليا للحلم العربي، للجزء الارادوي المعروف عادة لدي اصحاب القضايا الكبري افرادا كانوا او شعوبا، فلم اعتقد دائما انهم قد يخسرون معارك لكنهم لن يخسروا حرب القضية المقدسة نهائيا. قد تتحمل المقاومة في التاريخ ما ينزله بها اعداؤها بيد انها لا تتقبل ابدا طعنات بعض اهلها وقومها. - القدس العربي -