"عيد بأية حال عدت يا عيد لأمر مضى أم لأمر فيك تجديد" أبو الطيب المتنبي

عدوان مفتوح وجرح مفتوح على الجرح. ما زالت طائرات الأباتشي تحلق فوق رؤوسنا، ودبابات المحتل تحول أرضنا خراباً، وفوهات مدافعه موجهة إلى صدورنا العارية، تنال من شبابنا وشيوخنا ونسائنا وأطفالنا. ولا نكاد نلتقط أنفاسنا، حتى نفاجأ بمعدات حربية جديدة، مثل الطائرة دون طيار بحجم صغير، وأنواع أخرى من الأنظمة العاملة بدون طيار: "سباي ذير" وتعني (جاسوس في المكان)، و"بيردي" وتعني (الطائر)، والنوع المطور والصغير من "موسكيتو" وتعني (البعوضة)، بالإضافة إلى أنواع جديدة من القذائف المحرمة دولياً، مثل القذائف المسمارية. وفي الوقت الذي يطور فيه العدو أسلحة فتاكه؛ يطور أساليب قمعه ومواجهته لأي شكل من أشكال الاحتجاج الشعبي، كما فعل في مواجهة إضراب السجناء السياسين.

وفي حين ينشغل شعبنا بملاحقة همه اليومي، ودفن شهدائه، وكسب لقمة عيشه؛ تنشغل قياداته الميدانية بالرد الآني والسريع، محدود الإمكانات وغير المتكافئ، على الضربات المتلاحقة؛ كما تنشغل القيادات الأخرى، عن تقويم الأداء وبحث النتائج، ومراجعة دروس السنوات الأربع واستخلاص عبرها.

وفي حين نتطلع إلى دور عربي فاعل، ووقفة مساندة تتعدى إصدار البيانات والمذكرات؛ إلى وسائل احتجاج شعبي، وضغط سياسي على الحكومات، وكتابات تساهم في كشف زيف الادعاءات الإسرائيلية، التي تستخدم منطق الضحية؛ نجد أمامنا بعض الكتابات التي تبالغ في تمجيد نوع واحد من أنواع النضال، وهو النضال العسكري المسلح، وتدعو إلى تصعيده، وتعتبر أية دعوة للتمهل ودراسة الواقع والربط ما بين المقاومة والمفاوضات؛ استسلاماً وخذلاناً وردّة عن ثقافة المقاومة.

يصف الكاتب "ياسر الزعاترة" من الأردن، الانتفاضة التي دخلت عامها الخامس، بالحقبة الفلسطينية الأروع منذ الانتداب البريطاني حتى الآن. ويتنبأ في مقالته المنشورة بتاريخ:27 سبتمبر 2004 في صحيفة الحياة اللندنية؛ حدوث تقويمات تعتبر الأعوام الأربعة لوناً من العبث والهبل السياسي وفقدان البوصلة وفوضى السلاح وتناقض الأجندات، ما يجعله مختلفاً معها بالضرورة. ويتبنى الكاتب دعوة الكثيرين، ممن ينحازون إلى روعة الدم الفلسطيني، الذي سال في الانتفاضة، أن يقولوا شيئاً مختلفاً، من أجل نصرة الحق.

وإذا كنت لا أشكك في نوايا الكاتب الصادقة في تمجيد المقاومة؛ إلاّ أنني لم أستطع استيعاب إلصاق صفة الروعة والأروع على الانتفاضة الفلسطينية، وعلى الدم الفلسطيني. إنني أدعوه وأدعو الكتاب العرب بالمقابل، إلى الانحياز إلى الحق الفلسطيني، والحفاظ على الدم الفلسطيني الغالي، وإلى تبني أشكال دعم جماهيرية، تمكن الشعب الفلسطيني الأعزل، ليس فقط من التحمل والمعاناة والصمود؛ بل إلى ما يمكنه من تحقيق خطوة في طريق النصر. أدعوه إلى رؤية ثقافة المقاومة، التي تتجلى قوتها في جدليتها وحركتها، وليس في جمودها عند شكل واحد من أشكال النضال. أدعوه إلى استلهام خبرة الشعوب النضالية، ومخططات القيادات التي استخدمت أشكال متعددة للمقاومة، وقادت شعوبها إلى الاستقلال، واستطاعت أن تتغلب على المحتل وتقهره وتعيده مهزوماً إلى دياره، كما حدث في فيتنام.

أما الكاتب فهمي هويدي، من مصر، فهو يؤكد في مقالته المعنونة: "عيد انتفاضة الأقصى" في صحيفة الخليج بتاريخ: 28 سبتمبر2004؛ أن الفلسطينيين لم يهزموا، وأن شارون لم ينتصر، وأن الإرادة الفلسطينية لم تنكسر، برغم الثمن الباهظ والمعاناة الهائلة التي يراد لها ان تحيل حياتهم جحيماً. ويختم مقالته بالقول مستشهداً بمنير شفيق: إن نقطة الضعف الأساسية التي يعاني منها الفلسطينيون هي الموقف العربي.

أوافق الكاتب فهمي هويدي، على نقطة الضعف المتمثلة في الموقف العربي؛ إلا أنني أضيف إليها، نقطة ضعف أساسية، تتمثل في العامل الذاتي الفلسطيني، حيث افتقر الموقف الفلسطيني إلى تحديد الهدف المركزي، وإلى التخطيط والتنظيم، ولم يستطع أن يوحد صفوفه ضمن اتفاق داخلي يحدد مراحل النضال، وأن يتفق على الحد الأدنى الملزم لكافة الأطراف، واعتمد على عنصر رئيس للمقاومة وشكل واحد للنضال. اعتمد قوة عسكرية بدائية غير متكافئة مع العدو، بدل الاعتماد على النضال الجماهيري، واستبدل إشراك الجماهير الشعبية فيما يمس حياتها ووجودها، بنضال من لون واحد، تقف الجماهير ازاءه مهللة ومكبرة دون أن تكون فاعلة.

وإذا كان اللجوء إلى أشكال متعددة من المقاومة، ظاهرة صحية؛ فإن الثبات والمراوحة في المكان، والإصرار على شكل واحد من أشكال المقاومة، والاستخفاف بالمراجعة النقدية لهذه الأشكال ضمن الحسابات السياسية، وقراءة موازين القوى الدولية والعربية والفلسطينية؛ ظاهرة مدمرة.

صحيح أن شارون لم ينتصر وأن الفلسطينيين لم ينهزموا. صحيح أن إرادتنا لم تنكسر، ولكن، هل انتصرنا؟! ورغم أهمية الحفاظ على أسباب الصمود؛ إلا أنه من الضروري أن نفكر في هدفنا الأساس، فيما يقربنا من النصر ويبعدنا عن الهزيمة. وإذا كان الإسرائيليون لا يرون في هذه السنة "فسحة للأمل" كما جاء في مقالة "دان سيمون" في صحيفة "هآرتس" بتاريخ:17 سبتمبر، مستشهداً بنتائج استطلاع أجراه في العام الحالي معهد ديالوج (الحوار)، فنحن نرى فسحة الأمل تلك، ولكن في حالة واحدة: اذا اجتمع العقل والفكر الفلسطيني، لتقويم المرحلة وتحديد الهدف ووضع الاستراتيجيات الموحدة لنضال الشعب الفلسطيني.

نحن إذ "نربي الأمل"؛ نمتلك إرادة الانتصار.