تستوقف المرء المتأمل في المشهد الأميركي على الصعيدين الرسمي والشعبي، بعض المواقف التي تثير الدهشة، ومنها موقفان تصادف حدوثهما في يوم واحد، ويتعلقان بالتصهين الأميركي بحجة تنظيرات وافتراضات تتصل بالكنيسة وتصب في مصلحة اسرائيل.

الموقف الأول لاحظناه في كلام الزعيم الديني اليميني الأميركي المتطرف بات روبرتسون، الذي يتزعم فرعاً أصولياً نافذاً في الكنيسة الانجيلية الأميركية، قاله في مؤتمر صحافي عقده في القدس المحتلة يوم الإثنين 4 اكتوبر (تشرين الاول) الجاري، على هامش زيارة يقوم بها الى اسرائيل على رأس مجموعة من أربعة آلاف من جماعته، في نطاق حملة لدعم اسرائيل بمناسبة «عيد العرش» اليهودي، والمشاركة في مؤتمر سنوي للتضامن مع اسرائيل وقطعان المستوطنين، تقوم بها منظمة تابعة للكنيسة الانجيلية الاميركية وتحمل اسم «السفارة المسيحية».

وخلاصة ما قاله روبرتسون «إن الكنيسة الانجيلية تؤيد تماماً الرئيس بوش بسبب سياسته المؤيدة لإسرائيل، لكن اذا ما مس القدس وغدت نيته لتحويل شرقي المدينة إلى عاصمة لدولة فلسطينية امراً جدياً فإنه سيفقد تماماً دعمنا له. فهذه نقطة مركزية، فأُناسنا لا يعرفون الكثير عن غزة ولكن القدس موضوع آخر تماماً...». ثم يضيف هذا الاميركي المتصهين الكلام، مطالباً بإلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) بحجة ان وجودها «يؤدي دوراً نشطاً في ابقاء مشكلة اللاجئين»، رافضاً اقامة دولة فلسطينية «لأن اقامة هذه الدولة تُعرِّض السلامة الاقليمية لإسرائيل للخطر، وذلك يتعارض مع مشيئة الرب»، معتبراً أن «رب المسيحيين واليهود مختلف عن رب المسلمين...» ومشدداً على «وجوب قيام الاردن ومصر والسعودية بتوطين الثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة على اراضيها...»، معتبراً ان العرب لا يريدون السلام وانما تدمير دولة اسرائيل وان الدول العربية معنية بإبقاء الصراع مع اسرائيل وهي مسؤولة عن معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة....

وجاء كلام الاميركي المتصهين هذا، المنتمي الى كنيسة تضم بضعة ملايين في اميركا ومثلها في بعض دول اوروبا ودول العالم، بعد قيادته «صلاة دعم من اجل شعب اسرائيل» شارك فيها حوالي خمسة آلاف انجيلي وصلاة اخرى امام «الكنيست»، اي البرلمان الاسرائيلي، حمل فيها بشدة على حركة «حماس» وسائر فصائل المقاومة ذات التوجه الاسلامي مبرراً موقفه بأنه «ليس مسألة سياسة وانما هي مجرد خطة الرب ولأن المسيحيين واليهود لديهم تراث مشترك مختلف عن رب المسلمين...».

هل هذا كلام أُناس عاقلين؟ وهل نتجنى على الحقيقة اذا نحن اعتبرنا ان هذا التيار هو طابور خامس يأخذ على عاتقه إظهار الدولة الأعظم اميركا بأنها مسلوبة القدرة على ان تكون متوازنة وأن الادارة التي تتولى شؤونها اسيرة اطروحات حاخامية تصب في مصلحة الصهيونية؟

وتستبد بنا الخشية عندما نقرأ ما بين سطور اكاديمي اميركي، كلاماً يضع فيه الإصبع على الجرح تاركاً انطباعاً بأنه على ما يبدو لا امل يُرتجى من اميركا في ما يتعلق بالحل العادل والموقف النزيه من الموضوع الفلسطيني، والذي هو الجامع المشترك للهموم العربية - الاسلامية. وهذا الاكاديمي هو الدكتور جون واتربوري الذي يترأس الجامعة الاميركية في بيروت، والتي هي احد ملامح الحضور المرغوب عربياً واسلامياً، الذي افتتح في اليوم نفسه للسقطة التي سجَّلها الاميركي المتصهين روبرتسون في القدس المحتلة (اي الاثنين 4 اكتوبر 2004) بخطاب من تسع صفحات فولسكاب، بدا كما لو انه مطالعة او محاولة لتبرئة ذمته كمواطن اميركي مستنير يترأس احدى اهم جامعات اميركا خارج اراضيها. وفي هذا الخطاب سمعناه يقول: «الولايات المتحدة مقسومة اميركتين: حمراء وزرقاء تعود جذورهما الى الحرب الاهلية. الحمراء محافظة وشديدة التدين وانعزالية وعسكرية ومعتمدة على الذات، ولديها القواعد العسكرية العديدة وصناعات الاسلحة والجنود. اما سيد البيت الابيض (جورج بوش الإبن) فإنه احد افراد الكنيسة المسيحية الانجيلية التي تنمو بشكل يصعب تصديقه. كما ان المدعي العام هو من افراد هذه الكنيسة التي تؤيد اسرائيل بقوة، لأنها تعتبر وجودها تحقيقاً لنبوءة توراتية. اما اميركا الزرقاء (يقصد الحزب الديمقراطي) فإنها اكثر مدنية وصناعية واشتراكية ليبرالية، وكانت موئل التظاهرات المناهضة لحرب فيتنام الطويلة. واميركا الزرقاء تفتخر بجامعاتها العريقة من «هارفرد» الى «بركلي» وتدعم حق المرأة في اختيارها الحفاظ على حَمْلها اولاً، وتتسامح مع اللواط والسحاق وتؤمن بالاندماج العرقي، وبتوفير الضمان الصحي للجميع. كما ان اميركا الزرقاء تشكك بالشركات الكبيرة وتَقلَق من الضرر البيئي الناجم عن نظام السوق، وترتاب في المؤسسة العسكرية وارتباطاتها بالشركات الكبرى. وهي عالمية التوجه وتدعم سياسات التعاون مع الحلفاء وتدين التفرد في اتخاذ القرارات العدائية الأحادية بالتدخل العسكري في الخارج...».

ثم يخلص الى القول: «ان الإختلاف ضئيل بين اميركا الحمراء واميركا الزرقاء ازاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي والانتفاضة الثانية وقيادة عرفات واسلوب شارون والمستوطنات الاسرائيلية والجدار. كما انه ضئيل في ما يتعلق بغياب اي رؤية اميركية لحل نهائي تفاوضي. وسواء كان بوش او كيري في البيت الابيض فإن الولايات المتحدة لن تقدِّم مشروعاً لسلام عادل ودائم في الشرق الاوسط بين اسرائيل وجيرانها. ومن هنا فإنه منذ بدء تعاطي الولايات المتحدة مع الشرق منذ الحرب العالمية الاولى لم يكن شعور الشرق اوسطيين تجاه الولايات المتحدة بعدم الثقة والغضب والنفور عميقاً كما هو اليوم...».

في ضوء هذا الكلام من الاميركي الاكاديمي المتجرد الدكتور جون واتربوري الذي خاطب جمعاً عربياً ناقماً وتحت سقف اميركي على اميركا، وكلام الاميركي المتصهين بات روبرتسون في القدس المحتلة والذي جاء على رأس وفد كبير يمثل الكنيسة الانجيلية التي ينتمي اليها الرئيس بوش الإبن والذي اشترط، وهو الاميركي وبعدما بات على الارض الفلسطينية المحتلة من جانب اسرائيل، على مواطنه بوش الإبن استمرار الوقوف الى جانب اسرائيل ونبذ فكرة الدولة الفلسطينية اذا كان يريد تأييده في الانتخابات الرئاسية.

في ضوء الكلامين تبدو قضيتنا الاساسية مرشحة للضياع حقبة اخرى من الزمن بين اميركا الحمراء اذا تحققت المفاجأة الكبرى وفاز بوش الإبن بولاية رئاسية ثانية، واميركا الزرقاء اذا حدثت المفاجأة الأكبر وجاء الفوز من نصيب الديمقراطي جون كيري، مع تفاوت الحدة بين موقف الحمر وموقف الزُرق. ولن تستقيم الامور إلاَّ في حال باتت اميركا الخضراء هي البديل، وهو امر وارد وولادة محتملة من الرماد الفلسطيني والرماد العراقي لحزب ثالث يطمئن العالم، من القطب الى القطب، بأن اميركا لا يمكن ان تكون اسيرة هرطقات من جانب متصهينين، وإنما هي الدولة الأعظم التي ترى ان تجربة التعامل من جانب اميركا الحمراء واميركا الزرقاء طوال نصف قرن مع الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وما افرزه هذا الصراع من دمار ودماء وعدوان وانتهاكات، كانت تجربة مريرة جعلت الكراهية لأميركا بثقل الجبال، وأن رؤية ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز التي اقرتها القمة الدورية الثانية في بيروت، وباتت مبادرة عربية بالإجماع هي خير الحلول للجميع... خصوصاً انها تأخذ في الاعتبار ما سبق ان ورد في خاطر الملك عبد العزيز حول فلسطين والاطماع الصهيونية، وسجّله في مذكرته الشهيرة المؤرخة 10 مارس (اذار) 1945 الى الرئيس الاميركي روزفلت، وكانت اميركا في زمنه ليست على الإحمرار الجمهوري والزرقة الديمقراطية التي باتت عليهما، ثم ما قاله الملك الغائب ـ الحاضر في رسالة الى رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل وفي مقابلة صحافية مع مجلة «تايم» قبل ذلك بسنتين. وفي العودة الى مضامين المذكرة والرسالة والمقابلة الصحافية الشهيرة من خلال كتاب «لسراة الليل هتف الصباح»، الذي هو سيرة نوعية موثقة للملك عبد العزيز كتبها الشيخ عبد العزيز التويجري، ما من شأنه ان يجعل العربي والمسلم يتخذ وقفة متهيبة امام اميركا الحمراء واميركا الزرقاء... في انتظار اميركا الخضراء. - الشرق الأوسط -