كتب الكثير حول همجية الإسرائيليين في قمع المقاومة الفلسطينية شبه العزلاء, وحول قمع اي محاولة فلسطينية لإقامة دولة مستقلة تعيش في سلام جنباً الى جنب, مع دولة اسرائيل. حكومة شارون قمعت وتقمع كل محاولة لأي نوع من التفاوض, او الوصول الى تسوية من نوع ما. مع كل ما نشاهده من عنف اسرائيلي, ومن مقاومة فلسطينية قد لا نتفق مع ابعادها المتطرفة (العمليات الانتحارية), فقد كان لكل ما جرى ويجرى حسنة واحدة, وهي توقف الهجرة اليهودية الى اسرائيل التي باتت بلداً غير مستقر وغير آمن. لا بل ان هجرة معاكسة بدأت بالفعل عودة الى أوروبا وأميركا, فإسرائيل لم تعد بلداً آمناً على رغم كل غطرستها العسكرية.
يقول المفكر اليهودي آدرين يفتاشيل: مزقت اسرائيل بأفعالها جغرافية الدولة, وأوجدت نظاماً عرقياً دينياً منغلقاً. كما خلقت اسرائيل, ومن دون جغرافيا ومواطنية شاملة, وضعاً استعمارياً قام على السيطرة القمعية وعلى وهم الدولة - الأمة, والمواطنة الديموقراطية.
ان النزاع العربي - الإسرائيلي ليست له ابعاد قومية واستراتيجية وديموغرافية فحسب, بل له ايضاً بعد ديني شديد التفجر. فـ"ارض الميعاد" اليهودية هي ارض مقدسة اسلامية ومسيحية. وهذا ما يفسر جانباً من الصراع الذي يجرى الآن. كانت فلسطين دوماً الأيقونة المركزية في حركة الوحدة العربية, ولكن مع اتخاذ حركات المقاومة طابعاً إسلامياً فإن فلسطين (لا سيما بالطبع الأماكن المقدسة) كان لها طابع رمزي بصورة اعمق جذوراً. وفي الوقت نفسه فإن تصاعد النفوذ السياسي للمبشرين البروتستانتيين في الولايات المتحدة, الذين يعتقدون ان امتلاك اليهود وسيطرتهم على "الأرض المقدسة" امر حيوي لعودة المسيح, كان له تأثير كارثي على السياسة الخارجية الأميركية. وكثيرون منهم يؤيدون حق اسرائيل, وبخاصة المتعصبين - العرقيين الدينيين الذين كانوا رأس حربة الحركة الاستيطانية في الأراضي المحتلة بعد عام 1967, لا سيما الضفة الغربية حيث تقع معظم الأماكن اليهودية المقدسة.
لا بد من فهم سيكولوجيا "يهود الشتات", ولماذا يعزفون عن الهجرة الى اسرائيل.
كانت الغالبية الغالبة من يهود الشتات ترفض الهجرة الى اسرائيل. فهم يعيشون في دول ديموقراطية وليبرالية, ويتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة. فالولايات المتحدة والدول الغربية, وحتى الاتحاد السوفياتي سابقاً, كانت اوطانهم, والمكان الذي وجدوا فيه مستقبلهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي, المكان الذي ارادوا لذريتهم ان تعيش فيه مع حماية وإنعاش ثقافتهم اليهودية. وكانت الديموقراطيات الغربية تعاملهم جميعاً كأفراد متساوين. وهم استفادوا من هذه المساواة وانخرطوا في هذه المجتمعات كمواطنين كاملين. وكان هذا يتناقض مع التنبؤات الكارثية لمعاداة السامية, واضطهاد الإيديولوجيين الصهاينة. وهذا ما اثار استياء يهود الشتات قبل 1967. وبالأحرى ان يرفضوا الهجرة الى اسرائيل في هذه الظروف. كانت اسرائيل بالنسبة إليهم قضية يمكن ان يؤيدوها ومكاناً لإقامة اليهود الأقل حظاً ممن لا يشاركون اخوتهم في الغرب الأغنى اقتصادياً وسياسياً. يمنحونهم النقود؟ نعم. اما ان يرسلوا اولادهم الى اسرائيل او يهاجروا إليها؟ فلا بالتأكيد, كان وضع اسرائيل بالنسبة إليهم اشبه بملجأ للعجائز والفقراء والمغامرين, وينبغي مساعدتهم من باب الإحسان.
هناك عدد كبير من الاسرائيليين الذين يعيشون في الخارج - وأقول الاسرائيليين وليس اليهود بصفة عامة - يعيشون في الخارج. وقد تزايدت هذه الهجرة المعاكسة في السنوات الأخيرة حتى قدر عددهم بـ20 في المئة من السكان. ونستخلص من متابعة الهجرة اليهودية الى الخارج في السنوات الأخيرة تزايد عددها من جهة, واندماجها في المجتمعات التي هاجرت اليها, وبخاصة المجتمعات الغربية. ولعل هجرة يهود العراق أو بالأحرى عودة عشرات العائلات اليهودية الى بلدها العراق, على رغم الظروف القائمة فيه, مؤشر على أن اسرائيل لم تكن جنة الفردوس بالنسبة الى اليهود الشرقيين على الأقل, كما ان الظروف الأمنية الحالية لم تعد تبشر بمستقبل آمن ومزدهر لكثير من اليهود.
ويقول يوسي بيلين بصراحة في هذا الصدد: لو ان أبواب الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى ظلت مفتوحة أمام اليهود الهاربين من الاضطهاد طوال القرن العشرين لكان الاستيطان الصهيوني في فلسطين ضئيلاً. ويضيف بيلين: "لولا المحرقة (اليهودية), وانهاء الانتداب البريطاني, لظلت فلسطين دولة عربية ذات أقلية يهودية, ولغادر معظم اليهود الى الولايات المتحدة وأوروبا. ويعترف بيلين: "إذا كان القتل البشع ليهود أوروبا في القرن العشرين قد أثر في المواقف الغربية تجاه الصهيونية, فإن نداء الفلسطينيين من أجل العدالة لم يلق آذاناً صاغية. وهم لم يعانوا فقط من المعاملة غير الإنسانية وغير العادلة, بل ان شكاواهم كانت موضع شك وسوء معاملة من الغرب".
ان سياسة شارون القمعية والتدميرية, وما يقابلها من عمليات انتحارية من جانب الفلسطينيين, لا توحي بالطمأنينة والراحة بالنسبة الى كثير من الإسرائيليين, أو من الوافدين اليهود الجدد. وهذا ما يفسر "سفر" كثير من الاسرائيليين الى خارج البلاد, ربما الى غير عودة. فاليمين الصهيوني المتطرف لا يترك مجالاً لتعايش شعبين في دولتين, ولا يترك بصيص أمل في السلام, وبخاصة في ظل ادارة يمينية متطرفة كإدارة بوش, التي ليس لديها أي نية حقيقية لتحقيق استقرار في الشرق الأوسط, بل على العكس تماماً.
يقول ايفرايم نيمني (من المؤرخين الجدد): في مطلع القرن الحادي والعشرين, اليهود بصفتهم يهوداً هم أكثر تعرضاً للخطر الجسدي في اسرائيل من أي جزء آخر في العالم. ويرى نيمني انه بدلاً من تكريس طاقات وموارد ثمينة لدعم حكومة اسرائيل الراهنة في نزاعها مع الشعب الفلسطيني - وهو نزاع لا صلة له بظروفهم, فإن الجماعة اليهودية تستطيع ان تركز جهودها بدلاً من ذلك على بناء مؤسسات يهودية في الشتات نابضة بالحياة, والقيام بإسهام حاسم في تأسيس تعددية ثقافية... التبعية المستمرة لسياسة دولة اسرائيل قد أضعف في كثير من الحالات حيوية اليهود في الشتات واستقلالهم. ألا يدل قول نيمني على تذمر يهود الشتات أو قسم كبير منهم على الأقل, من سياسات الحكومات الاسرائيلية, وبخاصة حكومة شارون, وكأنهم يقولون لها: دعونا وشأننا. أليست هذه ظاهرة جديرة بالاهتمام؟
والحق ان الوضع المتميز ليهود أوروبا وأميركا الشمالية قد أدى الى مستويات لا سابق لها من الاستيعاب لليهود. وهذا ما دفع بعض الصهاينة المعاصرين الى التأكيد على أنه اذا استمر هذا الاتجاه - وهو سيستمر في ظل "الانتفاضة" وسياسة شارون - فإن استمرار الوجود اليهودي لن يكون مضموناً مطلقاً. - الحياة اللندنية -