يحلو لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو أن يقتبس الفيلسوف الألماني كانط: كم هو محال أن نحصل علي ما هو مستقيم، من خشب الإنسانية المعوّج! إنه، بالطبع، يسوق كانط لكي يبرهن علي صعوبة ـ أو محال ـ تأمين أغلبية كافية في الكنيست للتصويت علي ما يُسمّي خطة شارون في فكّ الارتباط. لكنّ المعلّق في صحيفة هآرتز ، جدعون ساميت، يسوق الاقتباس ذاته لكي يتساءل: أفي وسعنا أن نحصل علي أيّ خطّ مستقيم من نتنياهو نفسه؟ ومـــتي سيقرّر ما إذا كان مع الخطة الشارونية، أم ضدّها، أم في منزلة وسيطة بين القبول والرفض؟
ولكن... ألا يحثنا الاقتباس ذاته علي التفكير في هذه العمارة الصهيونية التي اسمها دولة إسرائيل ، والتي ما انفكّت تعوّج وتتشوّه وتنحطّ، ليس بعيداً عمّا حلم به روّاد الصهيونية الأوائل فحسب، بل قريباً من أكثر كوابيسهم بشاعة وقبحاً ورهبة؟ دعوا جانباً ما يتردّد اليوم في الشارع الإسرائيلي، كما في المحافل السياسية علي أعلي المستويات، من أخطار تعرّض البلدوزر الإسرائيلي الفاشيّ دون سواه، أرييل شارون، إلي عملية اغتيال علي أيدي غلاة المستوطنين. دعوا جانباً، أيضاً، ما يُثار من سيناريوهات حرب أهلية إذا أفلح بعض الحاخامات المتطرفين في إقناع عدد كافٍ من الجنود برفض أوامر إخلاء المستوطنات، وبالتمرّد علي قيادة الجيش السياسية والعسكرية...
دعوا هذا كلّه جانباً، ومعه بالطبع دموع التماسيح التي يذرفها المنافق الأكبر شمعون بيريس، وخذوا ما يخشاه معلّق مثل جدعون ساميت، بل ويكاد يتنبأ به: هذه الدولة تسير حثيثاً إلي أكثر السيناريوهات عنصرية وفاشية، وبالضبط إلي الحلول التي يطرحها جان ـ ماري لوبين، زعيم اليمين الفرنسي المتطرّف... ذاك الذي ينبغي أن تمقته الدولة العبرية أكثر من أيّ فرنسي آخر، لا لشيء إلا لأنّ الإسرائيليين علي يقين تامّ من أنه يمقتهم أكثر من أيّ مجموعة بشرية أخري علي وجه البسيطة!
وخذوا، في استكمال صورة الإنحطاط النازيّ، قرار قيادة الجيش الإسرائيلي بتبرئة أحد الضباط الإسرائيليين من تهمة ارتكاب عمل لا أخلاقي، وذلك رغم أنّ جنوده أنفسهم سردوا فعلته تلك للتلفزة الإسرائيلية، علي النحو التالي: سقطت الطفلة الفلسطينية إيمان الهمص (13 سنة) أرضاً بعد أن تعرّضت لإطلاق من نقطة مراقبة عسكرية إسرائيلية. لكنها كانت قد جُرحت فقط، حين تقدّم منها الضابط الإسرائيلي، قائد الفصيل، وأطلق طلقتين علي رأسها من مدي قريب، ثمّ عاد من جديد إلي الطفلة، وغيّر سلاحه إلي التلقيم الآلي، وتجاهل اعتراضات زملائه التي تواصلت عبر جهاز الإتصال، وأفرغ كامل الذخيرة في جسدها!
هذا الضابط ـ الوحش ـ النازيّ ـ القاتل بالدم البارد وجدته قيادة الجيش الإسرائيلي بريئاً من أيّ اتهام لا أخلاقي! مضي، وانقضي تماماً كما يلوح، زمن كان فيه بعض الضمير الإسرائيلي يعترض علي استخدام الرصاص المطاطي ضدّ أطفال الإنتفاضة. وأمّا اليوم فإنّ الضمير ذاته راقد في سبات عميق إزاء القتل العمد، ليس بالرصاص الحيّ فقط، بل عن سابق قصد وتصميم ووحشية قصوي.
وفي كتابه الشهير رصاص مطاطي: القوّة والضمير في اسرائيل الحديثة ، أحصي الكاتب الاسرائيلي يارون إزراحي الأثمان الباهظة لذلك الإنتقال العجيب الذي تنخرط فيه الدولة العبرية: من المعجزة بحدّ السيف، إلي ما بعد الملحمة بالرصاص المطاطي. وإزراحي اعتبر أن استخدام الرصاص المطاط في قمع الانتفاضة كان نقلة نوعية في السردية الصهيونية الكلاسيكية، الأسطوري والملحمي والتربوية، وكان عتبة تدشّن انقطاع خيط الرواية الكبري التي لمّت شمل أسرته اليهودية طيلة خمسة أجيـــال، منذ أواخر القرن التاسع عشر حين غادر أجـــداده أوكرانيا إلي فلسطين، وحتي أواخر القرن العشـــرين حين أدرك أنه يصــــارع قراراً مؤلماً بتجـــنيب ابنه آلام حلم صهيوني فادح الأثمان.
ويكتب إزراحي: في تلك الليلة من شهر كانون الثاني (يناير) عام 1988، حين شاهدت علي شاشة التلفزة جندياً اسرائيلياً شاباً يجثو علي ركبة واحدة ليسدد بندقيته إلي طفل فلسطيني لا يحمل سوي الحجارة، انتابني إحساس حادّ لا سابق له بالصدوع العميقة التي أخذت تتشكل داخل ملحمة عودتنا وتحريرنا في هذه الأرض، ولقد شعرت بفداحة الخسران، وبالتناقص الشديد في قوّة الرواية التي أدامت الحلم الصهيوني . فماذا سيقول اليوم، حين لا يتورّع قائد فصيل برتبة نقيب، عن إفراغ المزيد من الرصاص الحيّ في جسد طفلة فلسطينية قُتلت لتوّها، لكي تُقتل مرّة بعد مرّة بعد مرّة؟
إزراحي يقرّ أنّ محاولة إسرائيل مصالحة أزمة الضمير مع فحشاء استخدام القوّة لن تسفر عمّا هو أقلّ من هوّة فاغرة بين أجيال الجدّ والأب والإبن، ولسوف تكون معركة حكايات متنازعة كلما وحيثما اقتضت الحال تخليص النفس الاسرائيلية من، أو تحصينها بوسيلة، الملحمة الكبري و الحلم الصهيوني و تاريخ الآخر . وفي هذا الصدد يعيد كتاب نورمان فنكلشتاين الصورة والحقيقة في نزاع اسرائيل ـ فلسطين طرح إشكالية الحكايات المتنازعة هذه من خلال إعادة قراءة تراث المؤرّخين الجدد الإسرائيليين عموماً، وأعمال بيني موريس بصفة خاصة. وهو يتهمه بتقويض أسطورة اسرائيلية شائعة (هجرة الفلسطينيين إرادياً وليس تهجيرهم قسراً)، لا لشيء إلا لكي يستبدلها بأسطورة جديدة. موريس، حسب فنكلشتاين، يقيم في موقع رجل الوسط السعيد بين الرواية الإسرائيلية والرواية العربية، رغم أن استقصاءاته ينبغي أن تضعه قريباً من الرواية الأخيرة، بل في قلبها تماماً.
لكنّ كتاب فنكلشتاين، اليهودي بدوره وسليل أسرة قضي بعضها في الهولوكوست، يقوم بتشريح جذري لصورة النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، الشعبية الشائعة مثل تلك الأكاديمية النخبوية، ويناقش الجذور الأولي للصهيونية بوصفها شكلاً رومانتيكياً من النزعة القومية التي تفترض ــ مسبقاً وفي الجوهر ــ أن إفلاس الديمقراطية الليبرالية يخلي الساحة تماماً لمزيج عنصري ـ ديمقراطي ـ أسطوري في آن معاً. وهذا علي وجه الدقّة ما تعيشه الدولة العبرية اليوم، في مساقات انحطاطها الحثيث نحو فاشية من نوع جديد، وعنصرية من طراز لا يليق إلا بالفكر اليميني المتطرّف كما يبشّر به الفرنسي جان ـ ماري لوبين.
وعلي الصعيد الإيديولوجي يتوقف فنكلشتاين عند تلك العلاقة الاستقطابية المحمومة التي نجمت عن هيمنة الديانة (في شكلها المتشدّد تحديداً) علي السياسة العامة أو السياسات اليومية في الدولة العبرية، وما خلقته علي الدوام من احتقان حاد بين راديكالية دينية متشددة ومعادية للصهيونية (بوصفها حركة قومية علمانية بهذا الشكل أو ذاك)، وبين التيارات الصهيونية وما بعد ـ الصهيونية علي اختلاف خطوطها وألوانها. أين الأقلية وأين الأغلبية؟ أين علاقات القوّة في هذا المشهد، وهل يتحرك أم يتجمد؟ وأين المجتمع من هذين الإنقسامين؟
إنها الأسئلة التي أرّقت يارون إزراحي أيضاً، وانبثقت وستظل تنبثق من واقع ذلك الاستقطاب الذي يهدد الوجود السياسي والمؤسساتي (الدولة، الدولة الديمقراطية)، ويهدد الوجود الاجتماعي والمجتمعي، بل و... الإثنولوجي أيضاً! أليس هذا التهديد الثالث هو حجر الأساس في العقيدة الكاهانية التي دعت إلي مجابهة شاملة لا تبقي ولا تذر مع اليهود الهيللينيين ، أي أولئك الذين نقلوا الثقافة الغربية إلي التوراة، وجلبوا أوبئة الليبرالية والاشتراكية والرأسمالية؟ ألم تكن أفكار الحاخام مئير كاهانا بمثابة الصيغة القصوي لذلك الانصهار الإعجازي بين الكفاحية اليهودية القومية الصرفة، وبين النزوعات القيامية الخلاصية، حين شاءت المعجزة أن تلتقي العلمانية الصهيونية المتشددة بالنزعة الدينية المتشددة؟ وفي كتابه الأشهر أربعون عاماً ، ألم يكتب كاهانا بالحرف: هذه بلاد تنغل بالهيللينية، وبالغوييم الذين لا يجمعهم بالدين سوي النطق بالعبرية، والذين تتضخم عندهم نزعة الأنا إلي حدّ الدوس علي الهيكل ونسف الديانة. الهيللينيون يسرحون ويمرحون في أرض الرب، وحين انفصلت اليهودية عن الصهيونية باتت هذه الأخيرة مجرد شكل من النزعة القومية الكريهة. اليهودي ضدّ الهيلليني، هذه هي المعركة الحقيقية الوحيدة ؟
وفي العودة مجدداً إلي آل نتنياهو، نشير إلي ولع البروفيسور بنصهيون نتنياهو (والد رئيس وزراء الدولة العبرية الأسبق، والأستاذ في جامعة برنستون الأمريكية)، بإحياء تراث أبا أخيمئير، أحد كبار قادة الحزب التنقيحي الذي أسّسه زئيف جابوتنسكي. والأمر لا يخلو من تطبيع دراماتيكي مع الفاشية، يشبه تطبيع الضمير الإسرائيلي مع الرصاص المطاطي، ثمّ الرصاص الحيّ، وصولاً إلي قاذفات الـ ف ـ 17 وحوّامات الأباشي... ذلك لأنّ أبا أخيمئير كان صاحب مواقف متشدّدة ضدّ الصهاينة الكاذبين من اشتراكيين و إنسانيين و أحباب صهيون ، وضدّ تسعة أعشار المنظمات الصهيونية أياً كانت وظائفها، من الهستدروت وحتي أصغر المنظمات المعنية بمسائل الهجرة وشراء الأراضي وتنظيم الاستيطان.
ومنذ أواخر عشرينيات القرن الماضي أعلن أنّ المنظمة الصهيونية جثة هامدة ينبغي أن تُدفن سريعاً قبل أن تزكم رائحتها أنوف الصهاينة الأطهار . وللإيضاح السريع: الأطهار هؤلاء كانوا شباب الحركة من أمثال مناحيم بيغين وإسحق شامير، أبطال العمليات الإرهابية القادمة ضدّ الفلسطينيين والبريطانيين علي حد سواء، وقادة أحزاب اسرائيل ورؤساء وزاراتها في العقود التالية. غير أنّ هذه كلّها تهون أمام حقيقة أنّ أخيمئير كان ببساطة... فاشيّ الهوي، صراحة وعلانية والفاشية هنا ليست كناية عن نزعة تتماهي مع الفاشية، بل هي تطابق صارخ مباشر مع العقيدة الفاشية الإيطالية، ومع شخصية موسوليني دون سواه.
وأخيمئير لم يتردد في تشبيه جابوتنسكي بموسوليني، بل وأطلق عليه لقب دوتشي يهودا والسامرة . أكثر من ذلك، اعتبر أخيمئير أن صعود أدولف هتلر والنازية الألمانية يقدّم خدمة خماسية للحركة الصهيونية، لأنه يخلصها من ميوعة الصهاينة الإنسانيين من أمثال آحاد هاعام ومن يسير في ركابه ضد فكرة الدولة اليهودية في فلسطين؛ ويبرهن أن الدوس علي روح الأمة سوف يطلق أفضل ما فيها: أبطالها الأشبه بالأنبياء؛ ويثبت إفلاس الذين يفضّلون تحسين أوضاع اليهود في الشتات، بدل نقلهم إلي فلسطين؛ ويقدّم دليلاً جديداً علي استحالة اندماج اليهود في مجتمعاتهم المضيفة ؛ وأخيراً، يضعف الشيوعية السوفييتية، ويطهّر ألمــانيا، أعظم الأمم في عالم الأغيار ، من شبح الشيوعية كما تنبأ اليهودي العاقّ كارل ماركس ...
وليست الدورة طويلة في الزمان بين عشرينيات القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بالنسبة إلي كيان عنصري استعماري قام علي الاغتصاب، وتماهي مع الفاشية منذ البدء، ويرتدّ إلي أقصي أنماط ذلك التماهي اليوم، وكلّ يوم. النقيب الإسرائيلي مثال حديث العهد، في سلسلة لم تنقطع منذ البدء، و لم تكن الأمثلة السابقة سوي بعض تجلياتها التي تتكرر وتتكرر. ومحال، علي هدي القول الكانطي الذي يقتبسه نتنياهو، أن ينأي هذا الكيان عن إعوجاج شائه وحشيّ بربري قائم في أساس تكوينه، ينحدر من درك أسفل إلي آخر أشدّ سفالة! - القدس العربي -