معركة الأمعاء الخاوية والإضراب المفتوح عن الطعام الذي يخوض غماره الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون والعرب في السجون والمعتقلات الإسرائيلية منذ الخامس عشر من شهر أغسطس الجاري تسلط الأضواء ليس على الواقع الراهن الصعب الذي تمر به الحركة الفلسطينية الأسيرة فقط، وإنما على مجمل مسيرة وتاريخ وعمر هذه الحركة داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية التي هي بعمر حركة التحرير الوطني الفلسطيني والثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقتها في الفاتح من يناير (1965م) ووقوع أول أسير فلسطيني من حركة فتح في أسر وقبضة الاحتلال الإسرائيلي وهو الأسير المناضل محمود بكر حجازي "أبو بكر"، وتصاعد حركة المقاومة الفلسطينية من كل الجبهات من دول الطوق المجاورة التي لها حدود مشتركة مع فلسطين المحتلة أو من داخل الأرض المحتلة التي مثلت ساحة النضال والفعل الرئيسية خاصة بعد انطلاقة حركة المقاومة المسلحة في قطاع غزة والضفة الغربية وما واكبها من ملاحقة ومطاردة للفدائيين الفلسطينيين الأبطال وكل من يقدم لهم المساعدة والخدمات النضالية مثل المأوى والمأكل والعتاد والمعلومات عن حركة قوات جيش الاحتلال الغاشم ومن يتعاون معها من العملاء والخونة أو المضللين من المواطنين، مما أدى إلى زج المئات والآلاف من المناضلين والمواطنين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية التي كانت عبارة عن معسكرات اعتقالية عسكرية يمارس فيها إرهاب الدولة الرسمي المنظم وكل أشكال التعذيب البشعة وأنواع الإذلال التي لم تشهد لها نازية العصر مثيلاً، ويمكن وصفها بأن الاحتلال وإدارات سجونه ومعسكراته قد فرض طوقاً حديدياً على السجون والمعسكرات الاعتقالية من الخارج والداخل، فكانت الحياة الإعتقالية صعبة وقاسية جداً بهدف سلب وكسر إرادة الأسير المناضل وإذلاله وإفراغه من محتواه الوطني ومحاولة تحييده عن خندق المقاومة والثورة وفك ارتباطه بالشعب والقضية والهدف والمشروع الوطني الفلسطيني، وفرض عليه حالة فظيعة من الاغتراب والندم.
لكن الحركة الأسيرة بكافة فصائلها وأقطابها النضالية والسياسية الفلسطينية التي وجدت نفسها أمام هذا الواقع الصعب الجديد والفريد من نوعه من حيث نوعية ونمطية المواجهة وعنجهية وبطش جنود الاحتلال وسجانيه بدأت بإحتواء وحماية الذات الوطنية وظلت صلبة منتصبة في مواجهة هذا الواقع الجديد الذي لا يقل خطورة وأهمية عن المواجهة المسلحة في ساحة الحرب، وأيقن مجموع الأسرى بأن المعركة قد بدأت فعلاً وواقعاً وأن التحدي صعب وعلى المشروع الوطني الفلسطيني أن يثبت نفسه في مواجهة المشروع الصهيوني داخل السجون الإسرائيلية وأن السؤال الأهم "مَنْ يهزم مَنْ؟!" واكتشف الأسرى أن الاعتقال لا يعني الهزيمة أو نهاية المشوار وإنما بداية يترتب على نتائجها حاضر ومستقبل الأمة وكرامة الشعب ومصير القضية والأهداف التي انطلقت حركة الشعب لتحقيقها.
خاض الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون والعرب في السجون والمعتقلات الإسرائيلية على مدار تجربة وعمر الحركة الفلسطينية الأسيرة حوالي ثمانية إضرابات استراتيجية مفتوحة عن الطعام بالإضافة إلى عشرات أو مئات الخطوات النضالية والاحتجاجية لإشعار إدارة السجون الإسرائيلية بمدى خطورة الأوضاع داخل السجون وأن الأسرى لا يمكن أن يسكتوا أو يسلموا بها وأن التغيير حتمية لابد منها، فكان الإضراب الأول عام 1970م في معتقل عسقلان واستشهد خلاله الأخ المناضل عبد القادر أبو الفحم الذي كسر الطوق الحديدي المفروض على مجموع الأسرى وساهم في تغيير الواقع الصعب القائم داخل السجون والمعتقلات بشكل جذري واستعاد الأسرى بفضله حرية حركتهم الداخلية وكُسر الكثير من القيود التي فرضت على حركة الأسير داخل الغرفة أو في ساحة الفورة وسمح بعدها بالورق والأقلام والكتب وكتابة الرسائل للأهل وإدخال بعض الصحف والاستماع لنشرات الأخبار من راديو مركزي وتوقفت إدارة السجون بشكل شبه كامل عن الضرب والتفتيش العاري والليلي غير المبرر وشُطبت كلمة "سيدي" من قاموس مخاطبة السجان.
لكن بقي الواقع صعباً وقاسياً خاصة نوم الأسير على "برش" وهو عبارة عن جلدة بسمك سنتيمتر واحد لا يزيد، إلى أن خاض الأسرى في معتقل عسقلان الإضراب المفتوح عن الطعام عام (1976م) الذي استمر لمدة 65 يوماً على فترتين الأولى 45 يوماً والثانية 20 يوماً الذي يبدو أنه انتهى في لحظته بدون إنجاز ولكنه لاحقاً جاء بإنجاز "الفرشة" وحرية النوم خلال ساعات النهار ووقتما يرغب أو يشاء الأسير، والإضراب الرابع المفتوح عن الطعام الذي خاضه أسرى معتقل نفحة الصحراوي الجديد عام (1980م) الذي استشهد خلاله الأخ المناضل على الجعفري والأخ المناضل راسم حلاوة ولاحقاً من نتائجه الأخ المناضل اسحق مراغة وتضامن معه غالبية السجون والمعتقلات الإسرائيلية واستشهد خلال حركة التضامن معه في معتقل عسقلان الأخ المناضل أنيس دولة، هذا الإضراب الذي حقق إنجازاً نوعياً في تاريخ وحياة الحركة الأسيرة وهو تركيب أَسرّة حديدية مكونة من طابقين.
والإضراب الخامس المفتوح عن الطعام الذي خاضه الأسرى والمعتقلون في معتقل الجنيد الجديد عام (1984م) وتضامن معه باقي السجون والمعتقلات حقق إنجازاً نوعياً إضافياً وفتح نافذة جديدة في حياة الأسرى وسمح لهم بشراء واقتناء الراديو مما ساهم في تعزيز الاتصال الإعلامي والسياسي والجماهيري والإطلاع على مجريات الحركة الخارجية أولاً بأول، وفتح باباً واسعاً لإدخال العديد من الأجهزة والأدوات الكهربائية لاحقاً مثل التلفزيون والثلاجة والمروحة.
ولكن بقيت مشكلة المشاكل وهي الوقوف على العدد لأربع أو خمس مرات يومياً التي مثلَّت عنصراً مزعجاً ومؤرقاً للمعتقلين خاصة العدد الأول في الصباح، وبعد انتهاء إضراب معتقل الجنيد وحركة التضامن معه من بقية السجون والمعتقلات، بدأت في معتقل عسقلان عملية حوار اعتقالي شامل بين حركة فتح وبقية الفصائل حول اتخاذ قرار اعتقالي بالامتناع عن الوقوف على الأقدام خلال العدد ويكتفي الأسير بان يكون جالساً بشكل لائق في مكانه، ولكن لم يتم التوصل لاتفاق اعتقالي حول هذه القضية لاعتقاد وتخوف البعض من الإخوة والرفاق في الفصائل بأن إدارة السجون لن تسمح بذلك وسوف تسحب كافة الإنجازات وستتراجع عن توزيع الراديو الذي لم يوزع على الأسرى بعد، وكان لابد من اتخاذ القرار الصعب لكسر هذا الإجراء الاعتقالي المرير والمذل، واتخذت حركة فتح التي تمثل أكثر من نصف عدد المعتقلين في معتقل عسقلان القرار وامتنع أبناؤها عن الوقوف خلال "العدد" ولم تعلق إدارة السجن وحتى لم تسأل، وبعد ذلك تبع أبناء حركة فتح بقية المعتقلين في معتقل عسقلان وتم توزيع الراديو وعلى عكس كل التقديرات، وكان كسر هذا الإجراء أسهل مما اعتقد مجموع الأسرى لأنه جاء في ذروة قوة وانتعاش الحركة الأسيرة من حيث القوة التنظيمية والوحدة الاعتقالية وبدأت تأخذ دورها الطبيعي والطليعي في الحركة الجماهيرية التي بدأت تتعاظم داخل الأرض المحتلة.
والإنجاز الذي كان يحققه أو ينتزعه أحد السجون يتم تعميمه على بقية السجون ويستفيد منه الأسرى والمعتقلون ويتحول إلى قانون ملزم لإدارة السجون، مما وضع الحركة الأسيرة أمام تحديات صعبة ومسؤوليات جسام ليس للحفاظ على هذه الإنجازات وإنما لتحقيق المزيد منها، وحدا بها إلى خوض عدة إضرابات لاحقة منها ثلاثة إضرابات مفتوحة عن الطعام خلال مرحلة السلطة الوطنية الفلسطينية وآخرها الإضراب الحالي المستمر وهو الأول خلال انتفاضة الأقصى الباسلة الذي لا يقل أهمية عن كافة الإضرابات السابقة لأنه جاء في ذروة تمادي إدارة السجون والمعتقلات الإسرائيلية في فرض إجراءات أمنية وعسكرية جديدة لإذلال الأسرى وقهرهم التي لابد من كسرها وحتماً أن معركة الأمعاء الخاوية التي ترفع شعار "نعم لآلام الجوع ولا لآلام الركوع لمنتصرة". - مركز الاعلام والمعلومات -