دعونا للحظة نترك الجوانب الأخلاقية والقانونية والإنسانية المتعلقة بموضوع الانتحاريين، كما يطلقون عليهم في الغرب، والشهداء كما نطلق عليهم في العالم العربي.

هل حقق أي من هؤلاء الشباب الذين ضحوا بحياتهم، فيما يمكنني تخيله بأنه موت مؤلم ورهيب، شيئا سواء لأسرهم او للشعب الفلسطيني، او لقادتهم الذين تشجع اجندتهم السياسية استشهادهم؟

ما الذي حققوه في فلسطين؟ هل ادت هذه التصرفات الى تحقيق السلام؟ او الى استعادة مليمتر من الارض؟ او الحصول على مكان على طاولة المفاوضات؟ او نجاح اقتصادي للشعب الفلسطيني؟ دولة؟ انجاز ما..؟ لا.

إلا ان ما حققته سياسة العمليات الانتحارية عمليا، تمثل في عودة القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني في الحصول على وطن، الى النقطة التي كانت فيها مثل هذه التحديات مجرد أحلام، وأمل، وصراع طويل مرير. ان ما حققه الانتحاريون هو تقديم ادلة اضافية على ان الفلسطينيين «ارهابيون». ومنح اسرائيل، كذلك، المزيد من الأوراق التي تساعدها في الترويج بأن الوطن الفلسطيني سيصبح منطقة لتخريج «الارهابيين»، ليس فقط لتدمير اسرائيل، ولكن لتدمير الغرب ايضا. كما ان من شأن ذلك، إعطاء اسرائيل وقيادتها الحالية، ارضية للحصول على مزيد من التعاطف مع صانعي القرار، وبصفة خاصة في الولايات المتحدة الأميركية. أكثر من ذلك، فإن مثل تلك العمليات الانتحارية يضر بصورة شاملة بالحقوق المشروعة للفلسطينيين، وبصورة مأساتهم في نظر الرأي العام. ان التعاطف او التفهم الذي ابداه الغرب مع الفلسطينيين وأهدافهم وتطلعاتهم تعرض جميعه للضعف. وقد بات من الصعب جدا على الزعامات الغربية الدفاع عن تلك القضية. ان احتلال اسرائيل للاراضي الفلسطينية أمر لا خلاف عليه. كما ان استخدام اسرائيل للاغتيالات المستهدفة التي تتعارض مع القانون الدولي هو حقيقة لا نزاع عليها. وان تصميم شارون على تشييد حائط، أدانه المجتمع الدولي، لحماية أمن اسرائيل، هو ادعاء كاذب سيؤدي الى الدمار ومزيد من الدمار بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين. غير ان خطأين لا يصححان الامر.

ان استهداف المدنيين، في أي مكان، بغض النظر عمن هم بسبب سياسة حكومتهم، هو جريمة شنيعة لا يمكن تبريرها مهما كان الهدف منها. وينطبق ذلك على افعال في روسيا او العراق. ان هذه الجرائم ضد المدنيين لا تؤدي كما يؤكد الذين يرتكبونها، الى اشاعة الخوف، وبالتالي الى تغيير السياسة. بل على العكس، فهي تقدم الى تلك الحكومات، المزيد من السلطة والمزيد من «الشرعية» لمحاربة الارهاب.

ان الفلسطينيين والعرب والمسلمين، يدفعون يوميا ثمن تلك الأعمال في ما ينتج من ردود فعل تتمثل في مزيد من التمييز والتفرقة، بعد كل عملية تقع ويسقط ضحيتها مدنيون باسم الحرية والاسلام. ان الطريقة الاكثر كفاءة وإقناعا لنشر رسالتك بطريقة فاعلة، والحصول على نتائج سياسية، تكمن في استخدام القانون والتعليم، والترويج للتفاهم حول مأساتك. وهو أمر يستغرق الكثير من الوقت والعزيمة.

ان للمسيرات السلمية تأثيرا اكبر في الكشف عن المظالم التي يتعرض لها الفلسطينيون، من نسف هدف مدني. ان اجندة سياسية للترويج لسياسة اللاعنف وللتعايش السلمي، ستقضى، مع مرور الوقت، على حجج اسرائيل في عدم التوصل الى تسوية نهائية، واعتقد انها ستجبر الولايات المتحدة والغرب على التدخل بطريقة ناشطة لحل النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي.

ان الدمار الذي وقع في الاسبوع الماضي في«بير السبع»أو«بير شيفع» كما ينطق بالعبرية، كان مدمرا ومأسويا بالنسبة للاسرائيليين والفلسطينيين، وسيكون لصداه نتائج مدمرة بالنسبة للسلام الشامل والعادل بين الشعبين.

ان نتائج تلك الاعمال تقود الى المزيد من صرف الانظار عن مزايا تلك القضية، وتضع اسرائيل في موقع أخلاقي افضل. اننا كعرب في حاجة للتحدث بصوت عال، والتصرف ضد هؤلاء الذين يصرون على استمرار مثل تلك العمليات باسم السلام. فقتل المدنيين والأطفال، كما حدث في بيسلان اخيرا، عمل جبان لا يمكن تبريره او الدفاع عنه. - الشرق الأوسط -