توقفت العمليات الاستشهادية ضد اهداف مدنية اسرائيلية لستة اشهر متتالية، وكان التوقف يحتمل قيام التنظيمات التي اعتمدت هذا الاسلوب، بمراجعة متأنية تمحص الفوائد والأضرار، التقدم والتراجع الذي افاد المصلحة الوطنية العليا او نال منها وأربكها. ولم يدر بخلد الكثيرين، ان سبب التوقف ناجم عن العجز المتأتي من حرب التصفية الدموية التي تشنها قوات الاحتلال. ان تمحيص التجارب النضالية وأشكال النضال، هو تقليد درجت على اتباعه قوى التحرر والتغيير. فكم من حركة تحرر نقدت اساليبها ومواقفها الخاطئة ومغامراتها وعززت او عمقت عناصر قوتها! وذلك انطلاقاً من مبادئ ومفاهيم وقوانين ثورية، كالقول ان التكتيك متغير ومتحرك، وما يصلح اليوم قد لا يصلح غدا، وان الاهداف الوطنية ثابتة لا يمكن التراجع عنها، كهدف انهاء الاحتلال والاستقلال وتقرير المصير.
جاءت عملية بئر السبع الاستشهادية المزدوجة والبيانات والمواقف المرافقة لها لتقطع الشك باليقين وتقول لنا ان الامور باقية على حالها، رغم التحولات الدراماتيكية المحيطة. فالعملية حسب الناطق الاعلامي وبعض القيادات الاسلامية، "جاءت لتشفي صدور المواطنين، ولتخرج الناس من حالة الاحباط، وهي بمثابة رد اولي ضمن سلسلة من الردود على عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، انها دفاع عن النفس، ومن حق الشعب الفلسطيني ان يدافع عن نفسه" (الاقتباسات من صحيفة الرسالة، يوم 2 ايلول 4002). يلاحظ هنا غياب السياسة والاهداف السياسية، وكأن المقاومة منفصلة عن السياسة والاهداف الوطنية. خلافا لهذا الوضع نحن الآن معنيون بالاجابة عن اسئلة محددة، اجابة نضالية بالطبع، فلماذا نهرب الى اجابات من نوع آخر، كالرد والانتقام! الآن معنيون بخوض معركة جدار الفصل العنصري المطروحة بقوة على الارض وفي المحافل الدولية. فهل الرد والانتقام يدعم هدف الشعب الفلسطيني المباشر في هذه المعركة، وهي وقف وازالة الجدار كجزء من الهدف الاكبر وهو ازالة الاحتلال عن الاراضي الفلسطينية المحتلة العام 7691؟ ان الاجابة على هذا السؤال تتطلب تدقيقا في المواقف والمعطيات. الحكومة الاسرائيلية تزعم ان الهدف الوحيد من بناء الجدار هو حماية المدنيين الاسرائيليين من الهجمات الفلسطينية، وقد اقنعت 85% من الاسرائيليين بهذا الهدف، واستدرجت موقفا اميركيا مناصرا لها وحصلت على تفهم عدد من الدول، وتفهم مقرون بالتحفظات من قبل دول اخرى. وتحاول الحكومة الاسرائيلية سوق البراهين على صحة زعمها، بالقول ان العمليات توقفت من الشمال بعد بناء الجدار وانخفضت الخسائر الاسرائيلية الى 5 قتلى في العام 2004 (قبل عملية بئر السبع)، وان عملية بئر السبع نجحت لأنه لا يوجد جدار. غير ان اخطر ما في المواقف والدعاية الاسرائيلية هو اخفاء حقيقة التوسع الكولونيالي في الاراضي الفلسطينية، والتي جاء الجدار من اجل تثبيتها.
لقد حقق الشعب الفلسطيني انجازا مهما في معركة الجدار، يتمثل برفع الغطاء القانوني عن اعمال البناء الاسرائيلية في الجدار، وبدحض كافة المبررات التي ساقتها الحكومة الاسرائيلية أمام محكمة العدل الدولية، والجمعية العامة. ويمكن القول ان اسرائيل هزمت سياسيا وقانونيا، وخاصة بعد صدور قرار الجمعية العامة بالاغلبية الساحقة (150) دولة ضد 4 دول، الذي يدعو الى وقف الجدار وازالة الاجزاء المقامة وتعويض المتضررين. وترافق هذا النصر القانوني والسياسي بمعركة خاضها المواطنون على الارض. وكانت معركة باسلة خاضتها القرى التي اقتحمها الجدار وصادر اراضيها منفردة، وتمكن المواطنون من فرض تراجعات اسرائيلية، سواء لجهة وقف الجدار في بعض المناطق، أم عبر تعديل في مساره. كانت النتيجة، امتلاك الشعب الفلسطيني لسلاح قانوني فائق الاهمية، ساهم في ارباك الحكومة الاسرائيلية، واضطرارها الى التوقف المؤقت في بناء الجدار، واعادة النظر في الخرائط مرة اخرى، وامتلاك الشعب الفلسطيني لإرادة عازمة على ازالة والغاء الجدار كما جسّدها ابناء القرى المنكوبة. والسؤال: اين دور العمليات الاستشهادية في عرقلة بناء الجدار وفي تفعيل الوضع الدولي باتجاه فرض عقوبات على اسرائيل؟ الاجابة على ذلك موجودة في الواقع. يوجد للأسف اسهام سلبي، يتمثل بإعطاء ذريعة لإسرائيل. واسرائيل بعد قرار الجمعية العامة تحتاج لذريعة. وقد اقتنصت عملية بئر السبع للشروع الفوري في بناء الجدار جنوب الخليل. والعملية الاستشهادية، تبطل الى حد كبير، او تضعف السلاح القانوني الذي زودتنا به محكمة العدل العليا، والجمعية العامة. فعندما لا نلتزم نحن بالقانون الدولي الذي يحظر ويحرم ضرب اهداف مدنية، فكيف يمكن دعوة اسرائيل والضغط عليها من اجل الالتزام بالقانون. واذا كان القانون الدولي "اتفاقية جنيف الرابعة" و"شرعة حقوق الانسان" لمصلحتنا ولمصلحة كل شعوب العالم، فلماذا نفرّط بها ونحن لا نملك الا النزر القليل من عوامل القوة. ان محاكمة موضوعية هادئة للعمليات التي تستهدف مدنيين اسرائيليين ستقود حتما الى نزع ذريعة تستخدمها اسرائيل لبناء جدار الضم والفصل العنصري، الى وقف هذا النوع من العمليات، ودعم نضال المواطنين ضد الجدار، واعطاء فرصة للمجتمع الدولي كي ينتقل الى طور فرض العقوبات ضد حكومة الفصل العنصري الاسرائيلية، وكل ذلك من اجل الغاء الجدار.
المعركة الاخرى التي لا تقل اهمية عن معركة الجدار هي حرب التصفية التي تخوضها اسرائيل ضد المقاومة والمقاومين تحت هدف حماية المدنيين الاسرائيليين. فأين دور العمليات الاستشهادية في هذه المعركة؟ كلنا يعلم ان الولايات المتحدة رفعت شعار حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها والدفاع عن مدنييها. وتبع الموقف الاميركي مواقف دولية اخرى، بما في ذلك مواقف دول صديقة للشعب الفلسطيني كالدول الاوروبية وروسيا. وقد استثمرت الحكومة الاسرائيلية هذا الإقرار بإعلان حرب تصفية دون قيود او اعتبارات انسانية. وبمعنى آخر انتزعت الدولة المحتلة حق الدفاع عن النفس، وهو منطق معكوس، فالذي يحق له الدفاع عن النفس الشعب المحتل، وليس الاحتلال. والسبب في هذا التحول الخطير والمثير للعجب، هو لجوء مقاومتنا لأسلوب غير شرعي وغير قانوني من وجهة نظر العالم وهو ضرب اهداف مدنية بشكل قصدي. ان هذا التحول المأساوي وضع اسرائيل في موقع الضحية، أي "موقعنا" الذي لا نملك سواه. ومن موقع الضحية، ومن موقع التحرر من الضغوط تخوض اسرائيل حرب تصفية لا هوادة فيها. يقول تقرير اسرائيلي استعرضه الكاتب الاسرائيلي بن كسبيت في صحيفة "معاريف" يوم 4/9: "ان قوات الاحتلال وأجهزة الأمن اخرجت 6208 مقاتلين من دائرة القتال منذ نيسان 2002 وحتى الآن، بينهم 932 قتيلاً، و5276 معتقلاً. اضافة لتدمير بنية المجتمع، وفصل الناس عن الارض. لقد خسرت مقاومتنا الحماية السياسية وهذا شيء خطير، لا يمكن ادارة الظهر له، وفي هذا السياق خسر معتقلونا حقهم في معاملة أسرى الحرب او مناضلين من اجل الحرية. وقد جاءت انتفاضتهم وإضرابهم البطولي عن الطعام من اجل اعادة الاعتبار لهم كمناضلين. والسؤال: اين دور العمليات الاستشهادية في تفادي التصفية وفي اعادة اسرائيل الى موقع المعتدي؟ الاجابة على ذلك، لقد نجحت اسرائيل في إقحامنا بالحرب ضد الارهاب الدولي، وأوجدت نوعا من التقاطع بين عملياتنا الاستشهادية ضد المدنيين الاسرائيليين، وعمليات المجموعات المسلحة التي قتلت الابرياء النيباليين والطليان، والشيشان في مجزرة الاطفال في بيسلان بشكل همجي ووحشي . ألا يستدعي هذا الإقحام، فك التقاطع مع كل انواع المس بالمدنيين والابرياء. وماذا يبقى للمقاومة اذا لم ترتبط بمعارك سياسية وأهداف سياسية؟ واذا لم تصوب مسيرتها على ضوء الواقع!.