ما أشبه مساء الإثنين (اليوم السادس، من الشهر الجاري) في حي الشجاعية الغزّي، بأمسيات داميات، في نابلس ورفح وجنين وخليل الرحمن، وفي كل أرجاء الوطن. الجريمة تتبختر، بزهو، دونما لجام، فتشهد علي موت ضمائر الكبار، في هذا العالم، وعلي موات الأحوال، في أوطاننا المعذبة، بينما الجنرالات القتلة، ليسوا في حاجة الي براهين جديدة، علي فاشيتهم، وعلي أنهم ـ هم، وليس أحداً غيرهم ـ الذين يفرضون علي الشعب الفلسطيني، لعبة الموت، ثم يتباكون، عندما يكون التسجيل للفريق المثخن بالجراح، أو المنقوع في الدم، والذي يخوض الغمار، مضطراً، بشيء من قواعد اللعبة، وليس بكل وسائلها، ولا بكل القدرة، علي التصويب والإصابة، في كل لحظة!

أي نفاق طاغٍ، في عالم اليوم، يري الجريمة فيما يفعله الفتية الفلسطينيين، بعد كل عشرة، أو عشرين، أو ثلاثين جريمة كبري يقترفها المحتلون؟! ونحسب أن الفلسطيني، لم يعد يكترث بموت ضمائر الكبار، ولا بعجز الحاكمين العرب. بل لم تعد ذات شأن، بالنسبة له، الإدانة الغريزية، للعمليات مهما كانت، والتي عندما تقع، لا تكون، بقرار رسمي فلسطيني، مثلما هو الحال بالنسبة لجرائم الجنرالات، وإنما بمبادرات المعذبين والمكلومين، والذين فقدوا أحبتهم، في هذه أو تلك، من وجبات الموت، بعد كل جريمة ضد الإنسانية. فمن خلال كل ما اقترف المحتلون، من جرائم قتل وسفالات، يتضاءل فرسان الشجب و الحكمة في أوساطنا، ويذوب أو يتواري، في بحر الأحزان الفلسطينية، صوت الاستنكار لأي عمل، من ردود الأفعال، مهما كان أسلوبه ومهما كانت نتائجه. وهذه ـ باختصار ـ إحدي النتائج التي يتعمد الفاشيون، الوصول اليها، من خلال الجريمة التي تتبختر، في وطننا، بكل زهوْ، ودونما لجام!

ہ ہ ہ

التهيئة السياسية لجريمة الشجاعية، والجرائم التي قبلها، أسهمت فيها عوامل شتي. من بين تلك العوامل، الصمت المعيب، للأقطار العربية والإسلامية، حيال الأقوال الأمريكية المتكررة، التي تصف حماس بأنها حركة إرهابية . فلم يرتفع صوت، لكي يقول بأن الشعب الفلسطيني، ومن ضمنه أعضاء حماس يتمنون مجيء اللحظة، التي لا يُسفك فيها دم أحد، وأن حماس تحديداً، ليست ذات نشاط عالمي، يضمر الشرور لأوطان الآخرين، وللأمم الأخري، وإنما هي فصيل من حركة تحرر، تمارس حقها الطبيعي في المقاومة. وبعد هذه التهيئة السياسية، أصبح القتل اليومي، بذريعة أن الضحايا الشهداء، من نشطاء حماس أمراً غير قابل للاعتراض، باستثناء انتقادات خجولة، تتحدث عن أبرياء سقطوا في المعمعة. وفي هذا السياق، لم يتجاسر نظام، في العالمين العربي والإسلامي، ليقول إن كل حركة تحرر، إنما هي قوة تطلب حقاً، وليست قوة شيطانية، تمارس إرهاباً، وأن الشيطنة وانعدام البراءة، والإجرام، هي صفات الإحتلال الجاثم علي الأرض، والمتطفل علي حياة الناس، ومقترف القتل اليومي!

ہ ہ ہ

الموت الجماعي، للمحتشدين في مخيم كشفي، هو برهان الموات العربي. ويمكن للمراقبين، أن يُطالعوا الكثير من دلالات الجريمة، التي وقعت في اليوم نفسه، الذي كان فيه وفد مصري رفيع، في زيارة للبلاد. وربما تكون الجريمة، جواباً مقصوداً، علي مطالب مصرية، أراد من خلالها الوفد الزائر، أن يُضفي شيئاً من السياسة، ومن سمات التسوية، في طورها الجنيني، علي خديعة الإنسحاب الأحادي، الذي يتحدث عنه المجـــرمون.

فهؤلاء، لا يريدون سلاماً، ولا يطيقون وسطاء السلام، ولا يعرفون سوي لعبة الموت، ولا يفوّتون فرصة تسنح لهم، لكي يصفعوا العالم العربي، ولكي يؤكدوا له، أنه كلما تفاءل العرب بالتسوية، وكلما اقتربوا منها، وكلما قدموا سلفاً، براهين صدقيتهم بشأنها، كلما ازدادت الدولة العبرية صلفاً وإجراماً. لذا فإن القتل اليومي، بالجملة وبالمفرّق، في فلسطين، وفي العراق، هو البرنامج المعتمد، من إدارة بوش، ومن حكومة شارون، واهمتين بأنها تكسران إرادة الأمة، وتقتربان من سحق روحنا، وهذا ما لن تنالاه، في العراق، وفي فلسطين، طال أمد الجريمة أم قَصُر! فما الذي قاله رئيس الحكومة الفلسطينية أبو علاء لكي يستحث غضب الأمريكيين؟ وهل يهتبل الرجل، فرصة ارتكاب المحتلين لمجزرة بالقنابل المسمارية، ليُعلن ـ مثلاً ـ عن بُطلان قانون نيوتن الثالث، الذي يقرر بأن لكل فعل، رد فعل، مساوٍ له في القوة، ومعاكس في الاتجاه؟!

فعندما تحدث أبو علاء بصيغة تجهيل الفاعل، عن رد فعل مُبرّر علي مجزرة الشجاعية لم يكن، من موقعه، يقول أنه سيكون هو، أو السلطة، أو الرئيس عرفات نفسه، أصحاب التبرير عند وقوع رد الفعل، وبالتالي فإن المعني الذي يمكن لأي محايد، أن يلتقطه من خلال النص، أن من يقوم بالعمل الثأري، ويؤيده، سيجد تبريراته من خلال هذه المجزرة وسواها، وعندئذٍ سيكون هذا هو الواقع!

ہ ہ ہ

الإدارة الأمريكية لا تستحي فعلاً. فالناطق باسم الخارجية، يُعقب علي تصريح لرئيس الحكومة الفلسطينية، فيقفز عن الجريمة الإسرائيلية، ويبدأ من عند التصريح. ولا يعترض علي أبي علاء فقط، وإنما علي قانون نيوتن الثالث، وربما لو امتد حبل الكلام، لكان قد سجل اعتراضه علي قوانين التاريخ، التي حسمت أمر القتلة، الذين يذبحون الناس بالجملة، فقررت أنهم مندحرون حتماً، وأن مآلاتهم الي المزابل، وستخجل من أفعالهم، الأجيال اللاحقة، من شعوبهم. فإلي مزابل التاريخ، أحيلت كل القوي الفاشية، المستهترة بحياة الناس ومصائرها!

وكيف يمكن لأي ناطق، باسم الإدارة الأمريكية، أن يُعقب بأخلاق البشر الطبيعيين، علي مجزرة، فيما هذه المجزرة، ذات حصاد متواضع، قياساً علي المجازر اليومية، التي ترتكبها القوات الأمريكية في العراق؟! أي كيف يستنكر الشبيه أفعال شبيهه؟

ہ ہ ہ

ماذا لو كُلفت لجنة تحقيق دولية، لتحسب عدد الأمتار، من الهياكل الحديدية، التي كانت سيارات وحافلات، أحرقها الإسرائيليون والفلسطينيون، براكبيها؟! الجواب: ستبيّن النتيجة أن عدد أمتار الهياكل الحديدية المحروقة، للفلسطينيين، والتي قضي فيها أبرياء، يبلغ أكثر من عشرة أضعاف عدد الأمتار، التي أحرقها فلسطينيون، حتي عندما نستثني المباني، التي لا تقوم بغير حديد التسليح. وبعد هذه النتيجة، تتبدي الأبعاد الخطيرة، لجرائم الإسرائيليين، من خلال أن الحارقين الإسرائيليين، ينفذون سياسة رسمية، بينما الفلسطينيون ينفذون العمليات، في سياق المقاومة، غير الرسمية، التي لا علاقة لأبي علاء وحكومته بها. وتتبدي هذه الأبعاد، كذلك، من خلال أن الإسرائيليين يمثلون قوة احتلال، تجوز مقاومتها، وفق كل الأعراف التاريخية، والقوانين الدولية!

فبدلاً من هذا المنطق المشوّه، للقوة العظمي التي تَلِغْ في دماء العراقيين، عند مساندة القوة الإحتلالية التي تَلِغْ في الدم الفلسطيني، كان الأجدر بالإدارة الأمريكية، أن تتظاهر ـ ولو شكلياً ـ بالتحلي بشيء من النزاهة والأخلاق!

ہ ہ ہ

إننا، وعلي الرغم من الفواجع والأحزان، لا ننشد سوي حريتنا، التي هي حق أصيل، لكل الشعوب. لكن هؤلاء الذين يقفون في وجه نواميس الحياة، ويحاولون تعطيل الأعراف والقوانين الدولية، وحتي القوانين الطبيعية، مثل قانون نيوتن الثالث، الذي يسجل الظاهرة الطبيعية، عن الفعل ورد الفعل؛ فإنهم مندحرون حتماً، أمام القوة الدافقة والحية، وذات الأهداف العادلة، للشعوب المصممة علي الحرية والاستقلال! - القدس العربي -