لماذا تختفي الاهداف والمطامع الاسرائيلية في بعض القراءات الفلسطينية لنصوص وتطبيقات اوسلو؟ هل لأنها مموهة بالمستوى الذي يسمح بانتعاش الاوهام؟ ربما سمحت النصوص العامة للمبادئ بوجود اكثر من قراءة، وهذا ما دفع رابين للحديث عن غموض بناء في النص. لكن الاسرائيليين قدموا قراءتهم وعملوا على ترجمتها وتطبيقها، حين قالوا "لا يوجد مواعيد مقدسة" اي ان التنفيذ الاسرائيلي لبنود الاتفاق مرهون بالتنفيذ الفلسطيني للاتفاق وفقاً للقراءة الاسرائيلية. وشرح الاسرائيليون من مختلف الاتجاهات السياسية رؤيتهم للاتفاق. وقد لوحظ ان قراءة الاسرائيليين المؤيدين للاتفاق تختلف كثيرا عن قراءة الفلسطينيين المؤيدين للاتفاق. الاسرائيليون يرون في اوسلو انه سيخلصهم من المسؤولية العملية والاخلاقية عن مصير3,5مليون فلسطيني، وأن السلطة المنبثقة عن الاتفاق لا يتجاوز سقفها سلطة الحكم الذاتي المحدود. ان اقصى ما تريده اسرائيل في عهد رابين هو حل مفروض اقل بكثير من الحل الذي يعتمد على قرارات الشرعية الدولية، وهو حل يحافظ على الأطماع والتوسع الكولونيالي والسيطرة غير المباشرة على شعب آخر.
وطالما لم تتراجع اسرائيل عن أطماعها الكولونيالية كما تراجعت دول استعمارية كبرى فإنها لن تحقق السلام: تقول شولاميت ألوني "نحن آخر الكولونياليين في العالم، هناك انظمة تقتل وتقمع مواطنيها لكن لا يوجد اليوم في العالم شعب يتسلط على شعب آخر بقوة المدافع والاسلحة والجيش والحكم العسكري غيرنا" (بعد ذلك انضمت الولايات المتحدة وبريطانيا). أما المؤرخ باروخ كيمرلينغ فقد ذهب ابعد من ذلك في شرح هذا العامل حين قال: من الصعب ان نتخيل دولة تعتبر نفسها متحضرة ومتنورة تواصل الاعمال الكولونيالية وفي مقدمتها التوطين المنهجي المبرمج لمواطنيها خارج حدودها، ويضيف ان اسرائيل تفتقر للحد الادنى من الحضارة والتقاليد الاستعمارية التي كانت لدى البريطانيين والفرنسيين "الايام" 21/8/2001 . ووفقاً للطبيعة الكولونيالية للدولة الاسرائيلية، التي لم تتغير اثناء إبرام اوسلو بشكل لم يسبق له مثيل في عهد شارون، من الصعب التخيل بأن دولة اسرائيل كانت مستعدة لإبرام سلام حقيقي مع الشعب الفلسطيني، ذلك السلام الذي يعادل التراجع عن الأطماع الكولونيالية والانخراط في عالم ما بعد كولونيالي.
القراءة الفلسطينية حلقت في الاعالي وخلطت بين المطالب والرغبات والواقع. اعتقدت واهمة ان تخلص اسرائيل من كافة المواطنين الفلسطينيين يعادل تخلصها من كافة الاراضي الفلسطينية المحتلة. كانت المسؤولية تقتضي ان نرى فرصة الحل كما هي دون تجميل وتخيلات، وأوهام، ونتوقف عند امكانية القبول بحل قابل للتطور الى مستوى قرارات الشرعية الدولية، او نرفض الحل الذي يؤدي الى كارثة. ومن الخطأ الدخول في مغامرة حل "يحتمل ان يؤدي الى دولة او الى كارثة" كما يقول مهندس اوسلو ابو مازن ويؤيده الزميل ابو بكر. فالحل الذي ينطوي على الشيء ونقيضه ليس حلاً. الحل يعني وجود مصالح متقاطعة ومشتركة، والكارثة تعني وجود مصالح متنافرة. وفي ظل اسرائيل الكولونيالية من المنطقي ان تكون الغلبة للمصالح المتنافرة، للأطماع والسيطرة والتوسع. الزميل حسين حجازي تطرق للتناقض بين قطبي اوسلو في مقالته "11 عاماً على اتفاق اوسلو" في نشرة "الطريق"، بالقول "اصطدمت اوسلو بغياب النضج الكافي لدفع ثمن السلام من لدن الطبقة السياسية التقليدية الحاكمة في اسرائيل، وباستحالة كسر الاتجاه العام لمطلب الاستقلال وإقامة الدولة. نعم، يوجد تناقض بين أطماع الدولة الكولونيالية - الذي يسميه حجازي غياب النضج الكافي - وبين المصلحة الوطنية الفلسطينية في الخلاص من الاحتلال. وطالما لم يحل هذا التناقض بتراجع اسرائيل عن أطماعها فإن الدخول في مغامرة الحل السياسي سيقود الى كارثة.
تقسيم الحل الى مرحلتين، كان قمة النجاح في التكتيك السياسي، فلا يمكن حل صراع عمره قرن كامل دفعة واحدة ، يقول الزميل توفيق أبو بكر. لم تكن المشكلة في زمن الحل ومراحله، المشكلة في الموقف. فقد استقلت الجزائر عندما اتخذ ديغول قرارا حاسما بإنهاء الاحتلال العسكري للجزائر، وبعد ذلك تم اجلاء الاستيطان الفرنسي وتم التغلب على العقبات. نفس الشيء حدث في جنوب افريقيا التي توصلت الى حل سياسي بعد اتخاذ دي كليرك قرارا حاسما بإنهاء نظام الفصل العنصري. عندنا ،اسرائيل لم تتخذ قرارا بإنهاء الاحتلال وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ولأنها لم تتخذ ذلك القرار، كان الحل غامضا، والغموض يأتي دائما وأبدا لمصلحة الطرف الاقوى. المرحلة الانتقالية كانت قمة النجاح لإسرائيل، فمنذ اليوم الاول لتوقيع "اتفاق طابا" الذي جاء ترجمة لإعلان المبادئ في اوسلو وواشنطن، قدم رابين الاتفاق للقيادة الأمنية من اجل بلورة خرائط التطبيق واعادة انتشار جيش الاحتلال. وقدمت القيادة الأمنية التي ضمت باراك وموفاز خارطة بالطرق الالتفافية التي ربطت كافة المستعمرات بإسرائيل وفصلتها عن الضفة الغربية، وكأن الحل النهائي على الارض يتضمن دمج المستعمرات بإسرائيل. وعلق عدد من المحللين الاسرائيليين حينذاك على الخطة التطبيقية بالقول: انها غير قابلة للتطبيق من فرط (التفاصيل) التي كثفت وجود الاحتلال بدلا من تخفيفه توطئة للانسحاب "من كافة الاراضي الفلسطينية ما عدا ....".
وفوراً بدأ التطبيق الفعلي، اي بدأ تكثيف الاحتلال، وبدأ التقويض الفعلي لوحدة الارض الفلسطينية، وبدأ فصل "السكان" عن ارضهم. ان شبكة الطرق الالتفافية التي اقرها رابين وأشرف على انجاز الجزء الاساسي منها بدأت يا صديقي ابو بكر قبل موجة العمليات الاستشهادية ضد المدنيين. وجاء ايضا قرار فصل القدس عن الضفة والقطاع والقرى المحيطة بها، الذي ترافق مع سلسلة من الاجراءات والتوسعات الاستيطانية في محيطها وداخلها، في عهد رابين وقبل موجة العمليات. ان فصل القدس، وبناء شبكة الطرق الالتفافية، وتكثيف الاحتلال كانت مؤشرا لا يقبل التأويل على طبيعة الحل الدائم، والدولة الموعودة. وبعد هذه الخطوات توالت نجاحات تكتيك المرحلتين! فتضاعف الاستيطان في الضفة والقطاع والقدس من 200 ألف الى 430 ألف مستوطن، وتم بناء "130" مستعمرة وبؤرة جديدة. ولم تحل الادارة المدنية حسب نص الاتفاق، بل نقلت الى اطراف المدن وبقيت تمارس دورها وتحتفظ بمعظم صلاحياتها ما عدا البناء والاستثمار داخل المدن. واستمر التحكم والسيطرة على الشعب الفلسطيني، وبقيت حركة المواطنين بين الضفة والقطاع محظورة الا لغرض التنفيس.
يقول المؤرخ توم سيغف (قضايا اسرائيلية، عدد 4، خريف2001): تجاهلنا حقيقة وجود عدد كبير من الفلسطينيين الذين لم يستفيدوا شيئا من عملية اوسلو. هؤلاء لم تتحسن حياتهم بل صارت اصعب في حالات كثيرة وهو ما يفسر خروج الاكثرية للتظاهر. أما عكيفا الدار فيعتقد ان الانتفاضة هي نتاج فقدان ثقة الفلسطينيين باستعداد الاسرائيليين دفع ثمن السلام، وفقدان الثقة في قدرة السلطة على انشاء سلطة اقل فساداً ("يديعوت" 17/9 .
ان الوقائع الميدانية، والسلوك اليومي الاسرائيلي، والتحليلات الاسرائيلية لأهم المفكرين والكتاب الاسرائيليين، كل هذا يتعارض مع التقييم الذي تقدم به الزميل توفيق ابو بكر، ويتعارض ايضا مع التقييم الذي تقدم به الزميل حسين حجازي، الذي تحدث عن شراكة اوسلو السعيدة، وفلسطين السعيدة والمزدهرة ايام كانت اللقاءات تجري بانتظام بين عرفات ورابين على حاجز ايرز. هل نسي الزميل حجازي قول رابين الشهير "يطيب لي ان ارى عرفات يتصبب عرقاً". بقي القول ان اسرائيل لم تنسحب الا عن 13% من اراضي الضفة الغربية، وان الطرف الفلسطيني وافق على خطة كلينتون مع التعديلات في مفاوضات طابا، وان باراك سحب الوفد بشكل مفاجئ وبالإمكان الرجوع الى تصريحات بيلين وعبد ربه.