نفهم بأن تكون صيغة منظمة التحرير الفلسطينية، هي الأقل حرجاً وصعوبة، لتلبية رغبة الحركة الإسلامية الفلسطينية، في الاندماج في النظام السياسي الفلسطيني. ونفهم، بأن الغرض من الدعوة، الي إعادة بناء المنظمة، هو المُعادل الموضوعي، للدعوة الي التشارك في القيادة السياسية، دون أن تكون صيغة أوسلو وما تمخض عنها، علي الصعيد المؤسسي، هي عنوان التشارك ورمزياته!
ولكن من حقنا أن نتساءل: في أي فضاء، فلسطيني، وعربي، ودولي، يمكن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وتفعيل دورها؟!
كان مركز الأمس، للمنظمة ولدورها، في مناخ عربي آخر. ولم ينتعش دور المنظمة في هذا المناخ، إلا لسببين رئيسيين: الأول، القوة العسكرية التي استطاعت المنظمة بناءها، في الخارج، مستفيدة من ضعف النظام العربي، بعد هزيمة العام 1967 ثم من التداعيات التي تلت الهزيمة، والثاني هو أن النظام العربي نفسه، أراد تحميل العبء والمسؤولية، الي الكيان الفلسطيني، في سياق السعي الي التجسد الفعلي لهذا الكيان، علي جزء من الأرض، ومن ثم سيكون النظام العربي سعيداً برفع العبء عن كاهله، لكي لا يحتمل أي تجسيد فعلي، للكيانية الفلسطينية، علي أراضيه، لا بمعني التواجد العسكري، ولا بمعني النشاط السياسي، ولا بمعني التواصل المؤسسي شبه المستقل، مع التجمعات الفلسطينية في الخارج. وفي حال وجود نواة للدولة الفلسطينية، أو للكيانية علي الأرض، بصرف النظر عن شروط وجودها وما تتعرض له من مخاطر، سيكون من حق القادة الفلسطينيين، أن ينالوا التبجيل الرسمي والبرتوكولي العربي، الذي يستعيضون به عن أية فاعلية مؤسسية، في الفضاء العربي!
حكاية الحاج أمين الحسيني، وحكومة عموم فلسطين، تتكرر في وضع المنظمة اليوم، مثلما تكررت تجربة الحاج أمين، مع القوي الإقليمية والدولية، من خلال تجربة الرئيس الشهيد ياسر عرفات معها. كان الفيتو الدولي، لا سيما البريطاني، مع الإمتثال العربي له، قد أقصي الحاج أمين، عن موقع القيادة الفعلية، منذ مطاردته في العام 1937. ودخلنا حرب العام 1948 بدون قيادة فلسطينية. الفارق بين الاثنتين، أن المناخ العربي، احتمل حكومة عموم فلسطين، لمدة لا تصل الي سنتين، أصبحت بعدها الحكومة تقتصر علي رئيس وعضوين، ثم ـ لاحقاً ـ علي رئيسها فقط، مع تأمين ملاذ آمن لأبيها الروحي الحاج أمين. وكان وزير ماليتها، ميشيل أبيكاريوس، هو الذي تولي شرح موجبات موتها السريري، وعجزها، لأن الموازنة السنوية، من 1951 حتي 1957 تراوحت بين ثلاثة وأربعة آلاف جنية مصري. وكان الإعلان الرسمي عن وفاتها، في حزيران 1963 بسبب انتقال رئيسها أحمد حلمي عبد الباقي الي رحمة الله!
ومنذ تشكيلها في أيلول 1948 سُمح لحكومة عموم فلسطين، بحضور دورة واحدة، لجامعة الدول العربية، في نهاية تشرين الأول 1948 ولم تُدع الي الدورة التي بعدها، بتوافق عربي مذهل. وكان تبرير النظام العربي، لصرف النظر عن حكومة عموم فلسطين، وإسقاط المظلة العربية عنها، هو أن الحكومة صورية ولا فاعلية لها، في السياق السياسي العربي العام، ولا في معادلة الصراع. ولم يكن الاعتراف الرسمي العربي، بحكومة عموم فلسطين، يحميها من المصير الذي أوصلها اليه السلوك الفعلي!
يمكن أن نتساءل بواقعية: ألم تسقط المظلة العربية، اليوم، عن صيغة المنظمة؟! ألم توصلنا الدروب، الي التجويف العسكري الطوعي، لقوتها العسكرية في الخارج، مثلما تجوّفت القوة العسكرية لحكومة عموم فلسطين (جيش الجهاد المقدس ثم سرية غزة) لأسباب مالية، بالتزامن مع الشروع في مباحثات الهدنة، في رودس؟!
منظمة التحرير الفلسطينية، هي ممثلة الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الخارج. وهي مرجعية السلطة الفلسطينية. ولكن كيف يمكن تفعيل دورها، بغير اللجوء الي مقاربة بيروقراطية للتفعيل، ولإعادة البناء، تتمخض عنها قيادة سياسية، دون أن يكون لها شفيع، سوي عناصر الصمود والحيوية، في الكيانية السياسية الفلسطينية المتوافرة؟!
فرصة المنظمة في أن تظل علي قيد الحياة، ربما تنبع من قدرة السلطة علي إبقائها كذلك، وعلي أن تتحمل نفقاتها. وهذا واجب. ولكن أليس من واجب القوي التي ظلت قادرة علي الجباية المالية (بعد أن فقدت فتح قدرتها بسبب ما حدث وذاع صيته، من سوء استغلال للمقدرات المالية المتاحة) أن ترفد المنظمة بمقدرات مالية أتيحت لها؟! أم إنها هي التي تنتظر، أن تتحمل السلطة نفقات انخراطها في المنظمة؟! فمن الأقدار الثقيلة، التي تنتظر المنظمة، عندما تلتئم، أن بعض الفصائل الغائبة عن الساحة، ستطالب بمخصصاتها، علماً بأن بعضها قد اندثر، وبعضها حضر لكنه لم ينخرط في المقاومة، وبعضها لا وجود له في الشارع. ألا يجدر الفصل بين مالية السلطة، التي هي محصلة ضرائب علي المواطن الفلسطيني، في معظمها، ومالية المنظمة، جباية وصرفاً مع شيء من التداخل، يحتمه التداخل الوظيفي؟! -(القدس العربي 31 آذار 2005)-