لم يلب دعوة "اسرائيل كوهين" زعيم المجموعة اليهودية المتطرفة "ريفافا" الا عشرات المتطرفين الذين استعانوا بفتية واطفال. ولم يحقق كوهين طموحه بحشد عشرة آلاف مصلٍ يهودي المستمد من المعنى العبري لكلمة "ريفافا".كانت ضحالة الاستجابة لا تتناسب أبداً مع حجم الحشود الامنية الاسرائيلية التي بلغت ثلاثة آلاف جندي وشرطي. ولا تتناسب ايضاً مع حجم الحشود الشعبية الفلسطينية التي تقاطرت الى المدينة من كل حدب وصوب.

ما جرى بالأمس، يطرح الكثير من التساؤلات. فهل غاب عن تقدير سلطات الاحتلال هذا المستوى الضحل من التهديد وهي المشهود لها بالتحريات الاستخبارية؛ لا احد يصدق سوء التقدير الاستخباري وخطأ الحسابات الاسرائيلية. اذاً، لماذا كل هذه الجلبة؟ الموضوع كما يبدو ليس من صنع الحكومة ومؤسستها الامنية. فهناك مجموعات يهودية متطرفة تدعو الى هدم المسجد الاقصى من اجل افشال خطوة الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة. لكن هذه المجموعات ربما تكون الاقل قوة وتأثيراً وخطورة. ان مجلس المستعمرات في الضفة والقطاع الذي شكل دولة داخل الدولة ويحاول الآن فرض اجندته على الحكومة والمجتمع الاسرائيلي هو الاكثر خطورة. أغلب الظن ان الحكومة الاسرائيلية ضخمت الخطر وحجم التهديد وحجم الاستعدادات الامنية لدرء الخطر، كي تحوّل الانظار عن البناء الاستيطاني المكثف بين القدس العربية ومستعمرة "معاليه ادوميم"، واستكمال بناء جدار الفصل العنصري الذي يفصل القدس بالكامل عن الضفة الغربية ويمنع قيام دولة فلسطينية متواصلة. ان ما تقوم به الحكومة الاسرائيلية في المدينة هو التهديد الفعلي والخطر الحقيقي الذي يطال القدس ومواطنيها ومستقبلها ومقدساتها على حد سواء. لقد كان الحشد والاستعداد الفلسطيني للدفاع عن الاقصى قوياً ومؤثراً. والمطلوب هو ربط الدفاع عن المقدسات الاسلامية والمسيحية بالدفاع عن المدينة. لا يمكن الفصل بين المقدسات وحرية المدينة وحقوق مواطنيها، الاحتلال هو الذي يقوم بعملية الفصل وفي جانب واحد فقط. أما الشعب الذي يعاني من الاحتلال، فمن المنطقي ان يربط بين حرية المدينة وحرية أماكن العبادة. والربط يعني معارضة ومقاومة ما يجري من توسع استيطاني وبناء للجدار وحصار واغلاق وفصل المدينة العربية، بنفس المستوى الذي جرى بالأمس. يحق للقوى السياسية المبادرة الى التحرك الجماهيري ان تسجل لنفسها انجازاً. وفي الوقت نفسه يحق للمرء التساؤل: لماذا يخفت صوت هذه القوى وتلوذ في حالة من الصمت او اللامبالاة ازاء ما يجري من اعمال كولونيالية تهدد مصير المدينة برمتها بما في ذلك المسجد الاقصى.

وما جرى بالامس، في قطاع غزة من جريمة قتل الفتيان وعودة بعض الفصائل لاطلاق القذائف بشكل فردي يطرح الكثير من التساؤلات وخاصة المفهوم الفلسطيني للهدنة. لقد كشفت احداث الأمس، وجود اكثر من مفهوم فلسطيني للهدنة او التهدئة. وهذا كان مفاجئاً للكثيرين، فلا يعقل التوصل الى هدنة او وقف لاطلاق النار او تهدئة بمعزل عن التفاهم المسبق حول مفهوم وشروط موحدة وواضحة من قبل الجانب الفلسطيني. وبدون مفهوم موحد لن تقوم قائمة لاية هدنة، الاّ اذا تفاهم القطب الآخر مع كل فصيل فلسطيني على حدة. حمل الاتفاق الفلسطيني الجماعي على وقف اطلاق النار بعد حوار طويل الكثير من المعاني والدلالات. فقد أحدث الاتفاق نوعاً من الوحدة الوطنية على مواقف سياسية وديمقراطية - أقل من برنامج- لكنها تكاد تصل الى البرنامج في مضمونها. فوقف اطلاق النار او التهدئة لم تكن معلقة في الهواء بل ارتبطت عملياً بمسعى الرباعية الدولية لتطبيق خارطة الطريق واقامة دولة فلسطينية في مدى زمني محدد. وبمعنى آخر، فان المنظمة والسلطة والمعارضة تعطي فرصة جديدة للرباعية كي تنهي الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية وتمكن الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره. بعد فشل اسلوب التفاوض كأسلوب وحيد في مرحلة أوسلو، وبعد فشل المقاومة كاسلوب وحيد في مرحلة الانتفاضة، للخلاص من الاحتلال. وبعد فشل اسرائيل في فرض شروطها على الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية، من خلال التفاوض ومن خلال الحل العسكري العنيف على حد سواء. واضافة للبعد السياسي وهو جوهري، فان الحركة السياسية معنية بالافلات من الاستفراد الاسرائيلي والخروج من معادلة استخدام السلاح والقوة العسكرية ضد الشعب الاعزل بلا قيد دولي او اقليمي، او داخلي (من المعارضة الاسرائيلية). ومعنية بالخروج من العزلة الدولية والعربية واستعادة الشعب الفلسطيني لتحالفاته، وللدعم السياسي والمادي والمعنوي الذي وصل لأدنى المستويات.

ويهم الحركة السياسية ايضاً اعادة بناء البيت الفلسطيني واصلاح مؤسسات السلطة والمجتمع ومعافاتها من الفساد والتشوهات من خلال العملية الانتخابية. وباختصار يمكن القول: ان هدف الهدنة هو اعادة بناء الذات واعادة التحالفات والدعم المادي والسياسي والمعنوي للشعب الفلسطيني، واعطاء فرصة للحل السياسي. وبشأن الحل السياسي لحسن الحظ ان هذه المحاولة لا تحمل معها اوهاماً وتوقعات خيالية، فلا يوجد في الافق سوى مقاربة حل الانفصال من طرف واحد مع خارطة الطريق. علماً ان خارطة الطريق بالقراءة والتحفظات الاسرائيلية الـ41 تعني فصلاً عنصرياً ونظام ابارتهايد. أما تطبيق خارطة الطريق عبر تدخل دولي جدي وبدون استفراد الادارة الاميركية بالعملية التفاوضية فهو اقصى ما يمكن الحصول عليه في ظل ميزان القوى والعلاقات الدولية، وفي اغلب الاحوال سيكون سقف الحل اقل من الشرعية الدولية. وهذا لا يعني قبول الحركة السياسية بحل دون سقف الشرعية الدولية، او دعوتها لقبوله. لقد وصل الصراع الى نقطة تقاطعت فيها المصلحة الفلسطينية مع الاسرائيلية لوقف القتال، وبدون التقاطع ما كان للهدنة ان تعمر اياماً ولا اسابيع.

أما الحديث عن شروط اخرى للهدنة، فانه يأتي من باب الدعاية المحلية. صحيح ان الهدنة لا تستقيم ولا تصمد طويلاً، اذا لم ترتبط بالافراج عن المعتقلين السياسيين، وبوقف الاعتداءات وبوقف التوسع الاستيطاني والعقوبات الجماعية. كما ان الرد الفردي على الانتهاكات الاسرائيلية، بمعزل عن القرار الوطني الجماعي سيعود بنا الى ازدواجية السلطة واجندة المصالح الفئوية، ويتناقض بالتالي مع مبدأ تبادل السلطة ومع العملية الديمقراطية برمتها. - (مفتاح 12 نيسان 2005) -