من لا يذكر بداية الشباب والحب الأول؟ من يمكن أن ينسى الفرحة والسعادة التي تعم القلب بانتظار إشراق بسمة الحبيب التي تزين الوجه المشتاق حينما تطل عيون الحبيب؟ وتلك اللمسة الأولى ودقات القلب التي ترفع حرارة الجسم حينما يجلس الحبيب إلى جانبك. هكذا ربما كانت تفكر يسرى العزامي حينما كانت تخطط وحبيبها لحياتهما القادمة، بينما أمواج البحر تداعب بلطف ومحبة رمال شاطئ غزة.
فتاة في الثامنة عشرة من عمرها الذي اختطفته فجأة طلقة صوبها احدهم إلى رأسها من مسافة مترين اثنين. لم تسقط هذه المرة فتاة كل ذنبها إنها ولدت لأبوين فلسطينيين كما تعودنا في الفترة الأخيرة من تاريخنا الفلسطيني، بل سقطت لأنها كانت عاشقة، لان ابتسامتها الجميلة لم تجد مكانا لها في عقلية القتلة ومنطق وأيديولوجية من يقف ورائهم.
قتلت يسرى لأنها كانت تحب الحياة، لأنها كانت تخطط لمستقبل لها ولحبيبها ولأبنائها القادمين على صدر فلسطين الطاهرة. هذه المحبة وهذه الخطط كانت اكبر من أن يتسع لها قلب القتلة الحاقدين وتفكير من أعطاهم السلاح.
قتلت فلسطينية بغير ذنب إلا لأنها أرادت أن تستمع إلى حكايات خطيبها، إلى أحاديث عذبة وأحلام وردية من إنسان تريد أن تقاسمه الحلوة والمرة وان تعطيه أجمل ما يمكنها أن تقدمه الحبيبة لحبيبها.
ففي يوم 8/4/2005 قامت مجموعة تنتمي لحركة المقاومة الإسلامية حماس باعتراض سيارة خاصة في مدينة الشيخ زايد في غزة حيث أطلق احدهم النار من بندقية إلى رأس الفتاة التي كانت تجلس إلى جانب خطيبها فارداها قتيلة وقاموا بالاعتداء على الجثمان الطاهر بالضرب بالعصي وأيضا على الخطيب وعلى أخوه وأخت القتيلة لاعتقادهم بأنهم كانوا يمارسون الجنس على شاطئ غزة ثم سرقوا السيارة وفروا من مكان الحادث إلى أن أوقفتهم إحدى دوريات الشرطة واستطاعت إلقاء القبض على اثنين من الفاعلين بينما فر ثلاثة آخرين.
ورغم نفي حماس البدائي لعلاقتها بالحادث إلا أنها عادت واعتذرت ببيان علني واعترفت بان مرتكبي هذه الجريمة ينتمون للحركة ولكنهم قاموا بهذه الجريمة بدون علم الجهات المعنية في قيادة حماس!!!!!! بهذا تعتقد حماس بأنها غسلت يديها من دم هذه الفتاة البريئة فهل تستطيع حركة حماس بقدرة قادر على إعادة الحياة لهذه الفتاة أو تستطيع أن تخفف من الم أمها أو حزن هذا الشاب الذي كان يقاسمها الأحلام؟
لا اعرف من عيّن حركة حماس وجيشها الشعبي لتكون حارسة الشرف كي ترسل ازلامها إلى شاطئ غزة الذي يحب العاشقين لتنظيفه منهم. لا اعرف من أعطى حماس الحق لتكون رادعة الضمير كي ترسل شبيحتها إلى قلوب العاشقين لتقصف أول نبضة حب وتقتله.
أقول لا وألف لا! لستم حراس شرفنا ولا ناطور الضمير الفلسطيني، لم يعينكم احد قضاة ولا حراس و لا يجوز لكم ولا لأحد أن يدوس زهور العاشقين المقدسة.
أسألكم أمام الله بأي حق قتل رجالكم هذه الفتاة البريئة؟ بأي ذنب أغضبت مسلحيكم الذين بدون حق اعتدوا عليها وعلى رفاقها ومارسوا نشاطات هي ابعد ما تكون عن مهمات النضال الوطني وابعد ما تكون عن عادات وتقاليد شعبنا وابعد ما تكون عن الدين الحنيف الذي تتخذون منه سترا لتخفوا ورائه تناقضكم الفكري والديني والعقلي؟
لستم قضاتنا ولن نسمح لكم ولا لسواكم بتخطي الحدود الحمراء بالاعتداء على أبناء شعبنا فلا يجوز لكم أن تصبحوا جلادين شعبكم المناضل.
أما الادعاء بالحفاظ على العادات والتقاليد فهو عار أقبح من ذنب. ادعوكم أن تعودوا إلى مراجعكم العليا مما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف المثبت، وتعلموا من موقعة الجمل وغيرها مما يذخر به تاريخنا العربي والإسلامي. أين تجدون ما يبرر منعكم للحب؟ أين تجدون ما يبرر هذه التصرفات الحمقاء والأفعال الشنيعة؟ من قال انه لا يحق لخطيبين أن يلتقيا وان يتحدثا وان يخططا مستقبلهما وحياتهما القادمة؟ من قال انه لا يجوز لقاء حبيبين؟ من قال انه يحق لكل فرد أن يقتل الآخر لمجرد ظن أو شك؟
أين تجدون في القرآن ما يمنع الإنسان من الحب أو العشق أو أن يلتقي بمن يحب؟ أين تبرير ما تقومون به من إرهاب اجتماعي وفكري وهذا التناقض بين ما ورد في الدين الحنيف وبين هذه التصرفات الرعناء التي وصلت إلى حد الجريمة البشعة؟
خلاصة كل الأديان هي الحب، حب الله، حب البشر والطبيعة والمحيط والتأمل بما خلق الله لتعظيمه وفهم إرادته. ليس في الأديان ما يدعو الإنسان إلى كره الآخرين فهل ستفرضون أنظمتكم وآرائكم المتخلفة اجتماعيا والمتناقضة مع أحكام الدين الحنيف بقوة السلاح الذي أردى اليوم زهرة اسمها يسرى العزامي؟
هذا التقديم كان لابد منه حتى نناقش الانتخابات الجزئية التي جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة ونتعرف خلفياتها الاجتماعية والسياسية، وقد تكون هناك إضافات أو أسباب أخرى يمكن أن تضاف إلى الخلفيات والأبعاد الموجودة في هذه الدراسة، وهذا ما يفتح الأبواب للقراءات و الاجتهادات الموضوعية الجادة. - (مفتاح 23 نيسان 2005)-