مع العد التنازلي لتنفيذ خطة شارون في قطاع غزة وشمال الضفة، لم تجد الحكومة الاسرائيلية اي خيار لضمان نجاح هذا التنفيذ الا من خلال تنسيق واسع مع السلطة المركزية الفلسطينية، وخلال الايام القليلة الماضية، كان بالامكان ان نراقب سلسلة من "التسهيلات" الاسرائيلية التي توازت مع "سيولة" في المعلومات، حيث تلقت السلطة اجابات تفصيلية على معظم الاسئلة التي سبق وان وجهتها دون ان تتلقى فيما مضى اجابات عليها، الصحافة الاسرائيلية تشير الى ما هو ابعد من ذلك، فقد تم نقل مستوطنات اخليت من مستوطنيها في قطاع غزة الى السلطة الفلسطينية عبر تسلسل منتظم يقضي بتسليم ممثل عن الجيش الاسرائيلي ملفاً لممثل عن السلطة الفلسطينية يتضمن تفاصيل البنية التحتية فيها وخرائط تشير الى مناطق جرى زرع الغام فيها او اخليت من الالغام، ومن الجانب الفلسطيني سيتعرف ممثل عن قوات الاحتلال على المواقع التي سترابط فيها سرايا الامن الفلسطيني لحماية المستوطنات التي لم تعد كذلك من فوضى محتملة على الجانب الفلسطيني، وسائل الاعلام الاسرائيلية اطلقت على هذه السرايا "حائط حماية" مؤلفاً من خمسة آلاف جندي، مقابل "حائط" اخر من الجيش الاسرائيلي، وهناك ضابط اتصال معروف من كل جانب، ليعملان في اطار غرفة عمليات في شمال القطاع واخرى في جنوبه، وفي اثناء عملية الإخلاء ستتوفر للسكان الفلسطينيين الذين ستتقطع بهم السبل نتيجة لتحركات الجيش الاسرائيلي ورحيل المستوطنين مساعدات دولية من الاغذية والادوية، نفس المعايير ستتخذ في شمال الضفة الفلسطينية.

وقبيل عملية التنفيذ ولاول مرة منذ فترة طويلة، اعلنت اسرائيل انها ستفتح الطرق في منطقة "المواصي" من حاجز تل السلطان غرب مدينة رفح، وبالفعل تشير مصادر اسرائيلية نقلاً عن مسؤولين فلسطينيين ان الآليات الفسلطينية باشرت العمل صباح امس الثلاثاء، لفتح الطريق المذكورة. معبر رفح، وفقاً للترتيبات المشار اليها لن يتم اغلاقه خاصة بعد ان تم السماح مؤخراً لمن هم اقل من 53 عاماً بالتنقل عبره.

الادراك الاسرائيلي المتأخر، بضرورة التنسيق الشامل مع السلطة الفلسطينية لم يأت لمجرد ان حكومة شارون تريد ان توفر عناصر النجاح لتنفيذ الخطة فحسب، وهناك اشارات قد تفسر هذا الادراك المتأخر، تفيد بان ضغوطاً اميركية هائلة مورست على حكومة شارون، كان آخرها، تلك التي مارستها وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس قبل ايام على شارون ووزير خارجيته ودفاعه بشكل مباشر، وبرأينا ان الضغط الاميركي لا يستهدف فقط لتسهيل تنفيذ خطة شارون بحد ذاتها، فالولايات المتحدة تريد ان تعيد الحياة الى خطتها، خارطة الطريق، التي لن تكون خارطة شارون جزءاً منها، رغم دعوات فلسطينية متلاحقة، لا تفسير منطقياً لها، كي تعتبر كذلك، وعليه فان واشنطن تسعى الى تعزيز خارطتها، من خلال تنفيذ المرحلة الاولى منها، وهي مرحلة مصطنعة ستعتبرها الادارة الاميركية، وكأنها جزء من خارطة الطريق، وعليه ستعتبر ان اخلاء قطاع غزة وشمال الضفة، جاء تنفيذاً لخطة خارطة الطريق، وبعد الاخلاء، يتوجب على الجانب الفلسطيني ان يقوم بتنفيذ الاستحقاقات التي تمليها خارطة الطريق عليه، وستتوفر لحكومة شارون فرصة لعدم بحث اي مسألة تفاوضية بحجة انه تقدم باستحقاقاته الاولية، وان الامر الآن متروك للسلطة الفلسطينية كي تقوم بدورها في تنفيذ استحقاقاتها، ولان ذلك غير ممكن، لان السلطة غير معنية بدفع اي ثمن سياسي او امني مقابل خطة كانت بالاصل من جانب واحد، اضافة الى ان تعقيدات الوضع الداخلي الفلسطيني، الذي ستضاف اليه تعقيدات اساسية جراء تداعيات اليوم التالي لتنفيذ خطة الاخلاء، بما لا يترك مجالاً حقيقياً امام تنفيذ الاستحقاقات التي تدعي واشنطن وتل ابيب انها بمقتضى خارطة الطريق، وعليه فان بوسع شارون، تبرير تجميد العملية التفاوضية تحت هذا المبرر، من هنا نعتقد ان واشنطن تريد المزيد من التسهيلات لانجاح خطة شارون لاخلاء قطاع غزة وشمال الضفة، لمساعدة شارون على التوقف عند هذا الحد من "التنازلات". وباعتقادنا ان المشاريع التنموية الضخمة والكبيرة التي اعلنت الولايات المتحدة، كما الاتحاد الاوروبي عن الشروع بها بعد الاخلاء، انما تستهدف ازالة العقبات امام تعقيدات الوضع الفلسطيني كي تتمكن السلطة من احتواء المشكلات الاقتصادية التي تعتبر المتنفس الاساسي للفوضى والفلتان، وتزايد قوة قوى المعارضة، خاصة الاسلامية منها.

وبينما تشهد الساحة الفلسطينية مع تقارب الوصول الى نقطة الضغط لانطلاق عملية الاخلاء، المزيد من الانفتاح والتفاهم في وقت تنشغل فيه المؤسسات الرسمية والشعبية في وضع اسس خطة فلسطينية لانجاح هذه العملية في الجانب الفلسطيني، تخرج وزارة الداخلية، بتعليمات واوامر تقضي بحظر نشر اية اخبار مقروءة او مسموعة او مرئية تخص قوات الامن الفلسطينية دون ابلاغ مكتب الاعلام بالوزارة وتعبئة النموذج الخاص بذلك، اي ان وزارة الداخلية، من خلال هذه الاوامر، تكون قد اعلنت "حالة الطوارئ" التي تعني وقف العمل بالدساتير والقوانين هذه الحالة التي تعلنها الدول في حالات الكوارث الطبيعية او الانقلابات او الحروب الطاحنة، وزارة الداخلية لدينا، عكفت منذ فترة على تزويد الصحافيين بالبيانات والمعلومات وبشكل منتظم، لكن ذلك لا يعني ان المصدر الوحيد للمعلومات الصحافي والمعطيات التي يتوجب الاستناد اليها، هي جهة وحيدة، هي وزارة الداخلية في حالتنا هذه، وزارة الداخلية، اصدرت في الماضي القريب تقييدات شبيهة، لم يأخذها احد بالاعتبار، لانها غير واقعية ولا تتصف بالحصافة المطلوبة للتعاطي مع الراهن المعقد الذي يستوجب اطلاق حرية الرأي والتعبير دون حدود، لن نقول ان هذه الاوامر تتعارض مع قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني، فحسب، بل نقول انها تضرب في الصميم عملية المواجهة المرتقبة لاستحقاقات عملية تنفيذ خطة اخلاء قطاع غزة، وتستغرب مثل هذه الاوامر، في وقت يترأس الاخ توفيق ابو خوصة المعروف بدفاعه الدائم عن حرية الرأي والتعبير، وخوضه معارك متواصلة مع اجهزة القمع والتسلط لصالح الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام، يترأس مكتب الاعلام في وزارة الداخلية، وباعتقادنا ان "ابو الطيب" وهو واحد منا، يعلم ان الجسم الصحافي والاعلامي الفلسطيني، هو الاكثر مسؤولية وطنية، وملتزم بالقضايا المصيرية التي تهم الوطن والمواطن في فلسطين، وتمتع هذا الجسم بمزيد من الحرية، انما يمد الوطن المتعب بكل اسباب الشفاء والأمل ... يا أبو الطيب!! - (الأيام 3 آب 2005) -