يذكر الجميع الاستياء الكبير الذي أبداه الشعب الفلسطيني وقيادته من رسالة الضمانات التي قدمتها الإدارة الأميركية لشارون في ابريل من العام 2004 ، لكنها من وجهة نظر أصحابها كانت تشجيعا له على تنفيذ خطة الانسحاب الأحادي من غزة لفتح طريق أوسع نحو السلام وتعبيراً أيضا عن استياء عميق من السلطة الفلسطينية في حينه. لكن الرسالة لم تخف أيضا تفهم الإدارة الأميركية للمتغيرات التي جرت على الأرض وحاجة إسرائيل لضم التجمعات الاستيطانية الكبيرة، ولعدم عودة اللاجئين إلى داخل إسرائيل، وان خطوط الهدنة للعام 1948 لم تعد صالحة كحدود بين الطرفين.. لقد كانت هذه الرسالة بمثابة تراجع عن السياسة التقليدية التي اعتادت أميركا الإعلان عنها وملخصها عدم قانونية وشرعية الاحتلال وان الولايات المتحدة ستدعم حلا متفقاً عليه فقط.
بعد انتخابات الرئاسة ونجاح أبومازن في كانون الثاني من هذا العام، وبسبب مواقفه المعلنة من رفضه للعنف كأسلوب لحل الصراع ورغبته في إصلاح السلطة الوطنية، أعادت الولايات المتحدة الاعتبار لسياستها التقليدية وأعلن الرئيس بوش بعد لقائه مع الرئيس عباس في أيار بأن إدارته لن تعترف بأية تعديلات على خطوط الهدنة للعام 1948 ما لم يكن ذلك متفقاً عليه بين الطرفين، وأن سياسة الولايات المتحدة في هذا الموضوع لن تتغير، مكرراً الموقف التقليدي من المستوطنات ورفضه لتوسيعها، ومؤكداً بأن الجدار هو موضوع أمني وليس سياسياً.
سياسة تفهم احتياجات الجميع من قبل من يرعى عملية سلام هي مسألة ضرورية لا يجب إغفالها، وهي الأساس الذي يجب أن تبنى عليه السياسة، لكنها في حد ذاتها لا يمكنها أن تكون السياسة. منذ بداية هذه السنة زارت وزيرة الخارجية رايس المنطقة ثلاث مرات. في الأسبوع الأول من شباط لمباركة الطرفين على التفاهمات التي توصلوا إليها قبل القمة وتشجيعهم على عقدها، وفي منتصف حزيران لتنسيق المواقف بشأن عملية الانفصال عن غزة، وفي الربع الأخير من تموز لتثبيت الهدنة واستكمال عملية التنسيق، لكن أياً من هذه الزيارات لم يثمر عن اتفاقات بين الطرفين..
فتفاهمات شرم الشيخ لم تترجم إلى اتفاقات والتنسيق بشأن عملية الانسحاب من غزة بقي حتى اليوم في حدوده الدنيا، ولسنا بحاجة إلى الكثير من المعلومات لبيان ذلك اللهم إن كذب سياسيونا علينا، فقبل عدة أيام صرح رئيس الوزراء بأن معلوماته عن الانسحاب يحصل عليها من الإعلام، وقبل يومين صرح الرئيس لقناة العربية بأن السلطة تلقت ردوداً عن بعض الأسئلة لكنها بانتظار إجابات عن أسئلة عديدة أخرى.
الإدارة الأميركية تتفهم احتياجات الطرفين، وتفهم عملية الانفصال باعتبارها عملية مشتركة وليست أحادية، "للطرفين أسئلة يجب الإجابة عليها، وما يجب فهمه هو أن عملية الانفصال هي عملية مشتركة لذلك على الطرفين تقديم إجابات وليس فقط طرف واحد" هذا ما صرحت به الدكتورة رايس في رام الله رداً على سؤال أحد الصحافيين بشأن نتائج عملية التنسيق التي ترعاها واشنطن.. رايس لم تفصح عن طبيعة الأسئلة التي يريد الطرفان إجابات بشأنها، فهي تفضل عدم الدخول في التفاصيل بشأنها أمام وسائل الإعلام، لكن من المؤكد بأن الإسرائيليين يسعون إلى ضمانات بعدم تحول غزة إلى قاعدة عسكرية لـ "حماس" ومنطلقا لعمليات ضدها، وهم بالتأكيد يريدون ضمانات بان المعابر لن تكون مفتوحة لنقل الأسلحة وأن المعبر الآمن بين غزة والضفة لن يؤثر على طبيعة الاتفاقات الاقتصادية بين الطرفين أو طريقاً آمنا لنقل السلاح من غزة إلى الضفة. من جانبهم يريد الفلسطينيون لهذا الانسحاب أن يكون شاملاً من المستوطنات والمعابر والأجواء وان يكون الممر الآمن بين الضفة وغزة آمنا بالفعل وان لا تتأثر حركة الفلسطينيين أو عملهم بوجود إسرائيلي أو طرف ثالث على معابرهم. ويرغب الفلسطينيون في أن يتحول الانسحاب من غزة إلى دفعة حقيقية لتنفيذ خارطة الطريق وليس إلى نهاية لهذه الخارطة بالمزيد من المستوطنات والجدران، ومن المؤكد بأن هنالك مصلحة فلسطينية في التنسيق طالما أن الهدف هو مغادرة غزة وإخلاء مستوطناتها.
إلى جانب تفهم الإدارة الأميركية لمطالب الطرفين فهي متفهمة أكثر لمشاكلهما.. فهي لا تريد الضغط على شارون لوقف الاستيطان والجدار ووقف سياسة غطرسة القوة ومحاصرة القدس وهدمه للبيوت فيها، ولا ترغب أيضا بالضغط عليه ليزيل حواجز الذل التي يتعرض لها الفلسطينيون يوميا، والهدف هو عدم اضعاف شارون أكثر أمام معارضي الانسحاب وحتى يتمكن من الاستمرار في تنفيذ خطته.. في المقابل تتفهم أميركا الصعوبات التي يعاني منها الأمن الفلسطيني ، وتفهم أيضا بأن عملية إصلاحه ما زالت مستمرة، وان حجم العتاد ووسائل الحركة والاتصال بين يديه محدودة وان سلاحه أقل مما تمتلكه بعض الفصائل، لهذا فهي لا تضغط على الرئيس عباس لاتخاذ مواقف أكثر حزماً عندما يخرق الهدنة بعض الفصائل الفلسطينية أو حتى عندما يردون على اختراقات الطرف الإسرائيلي لها. ويتفهمون الحاجة لعدم تحول قطاع غزة إلى سجن والحاجة لتطويره اقتصاديا، وهم يتفهمون الحاجة إلى عدم إضعاف الرئيس بطلبات قد تؤثر على مواقفه في الداخل سلباً دون أن يتمكن من تنفيذها.
إذن نحن بالتأكيد أمام سياسة متوازنة لا يمكن انتقادها فهي متفهمة للجميع، لدوافعهم الحسنة وللصعوبات الحقيقية التي تعترضهم، وإذا قارنا هذه السياسة المتفهمة جدا، بتلك التي مارسها الرئيس السابق كلينتون وحاول من خلالها إقناعنا بالقبول بمبادرته التي حملت اسمه، فإننا بالتأكيد أمام إدارة متفهمة لنا جدا، في مقابل إدارة سابقة حاولت أن تفرض علينا ما لم يرغب به البعض منا. لكن حقيقة الأمر غير ذلك تماما، فسياسة التفهم ليست سياسة ولا يمكنها أن تؤدي إلى حل للصراع، ولا يمكنها أن تضمن تحول الهدنة إلى وقف كامل لإطلاق النار ولا يمكنها بالتأكيد نقل السيطرة على المدن الفلسطينية إلى السلطة ولا إلى إعادة قوات الاحتلال الإسرائيلي لمواقعها عشية سبتمبر 2000 وبالتأكيد لا يمكنها تحويل الانسحاب من غزة إلى خطوة هامة تفتح المجال لتنفيذ خارطة الطريق.. بل إنها أكثر من ذلك لا تستطع حتى تحويل الانسحاب من غزة من عملية منفردة إلى عملية مشتركة فلسطينية /إسرائيلية فالتنسيق حتى كتابة هذه السطور في ادنى مستوياته، والاتفاقات بشأن المعابر والحدود من النوع الذي يترك الباب مفتوحاً لاحتكاك اكبر بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وبما يمهد الطريق لصدام لاحق. علينا أن نشكر الإدارة الأميركية على تفهمها وعلى جهودها من خلال الجنرال وليام وورد في سعيه لإصلاح الأجهزة الأمنية، وعلى جهود السيد ولفنسون في الوصول الى اتفاق"مواكب السيارات والشاحنات" التي ستنتظر على بوابة إيرز صباحا وعلى بوابة ترقوميا مساء حتى يفسد ما بها.. علينا أن نشكر هذه الإدارة على جهودها في قمة الثماني باعتماد تسعة بلايين دولار لدعم الاقتصاد الفلسطيني وخزينة السلطة للسنوات الثلاث القادمة لكننا نخشى بأن تتحول المباني والمطار والميناء التي سيتم بناؤها بهذه الأموال إلى أنقاض بفعل حادث مقصود أو عرضي يقتل به أبرياء في فلسطين أو إسرائيل. لكننا مع شكرنا هذا نقول بأن السياسة الأميركية بحاجة إلى ميكانيزم واضح، يحدد ما هو مطلوب من حكومة إسرائيل وما هو مطلوب من السلطة الوطنية، والى آلية واضحة لحل المشاكل بين الطرفين يكون هدفها تحويل السيناريوهات المفتوحة لما بعد الانسحاب من غزة إلى سيناريو وحيد وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقدس الشرقية عبر تنفيذ خارطة الطريق..