بغض النظر عن حسن نوايا مطلق القذيفة، التي قد يكون هدفها تدمير الكنيست الإسرائيلي، فإن أخطأت الهدف، وأصابت المسجد الأقصى تصير معادية.
تلك الفكرة، كانت خلاصة تجربة الأسير (رياض الملاعبي) بعد عشرين سنة تقريباً في السجون الإسرائيلية، قال لي في ساحة سجن نفحة الصحراوي، وهو يستعرض أسباب فشل العملية العسكرية التي أسهم في تسليحها المطران (هيلاريون كبوشي)، وأخذت صدى إعلامي واسع في حينه، وكان من أهدافها إطلاق صواريخ تزن (90) تسعين كيلوجرام على الكنسيت الإسرائيلي أثناء انعقادها سنة 1974، قال رياض الملاعبي:
لقد وقع الاختيار على جبل الزيتون كموقع متميز من حيث الارتفاع، والإشراف على الكنيست الإسرائيلي لإطلاق الصواريخ، ومن الناحية الفنية لقرب المسافة التي تعني دقة التصويب، وتعني سرعة العمل والتخفي قبل تنبه الإسرائيليين، وما أن اكتملت إجراءات نقل أجهزة إطلاق الصواريخ إلى المكان، واكتمال التجهيز، وقبل الإطلاق مباشرة شاهدت القدس العتيقة، والمسجد الأقصى، وتخيلت كيف ستطير الصواريخ من فوق قبة الصخرة، لقد اهتزت مشاعري وأنا أتخيل حدوث خلل في دقة التصويب، أو احتمال 1% أن تخطيء الصواريخ الكنيست الإسرائيلي، وتتساقط على المسجد الأقصى!!!
تراجعت عن إطلاق الصواريخ في اللحظة الأخيرة، وبدأنا في تفكيك الأجهزة، ونقلها من جبل الزيتون إلى مكان مرتفع آخر قريب من نقطة المراقبة الدولية على جبل المكبر، ولكن التردد، والانتقال، وحركتنا المريبة أيقظت عيون الأعداء الذين راحوا يطاردوننا بالطائرات المروحية، والسيارات، وبعد اشتباك لمدة خمس ساعات، وقعنا بالأسر في منطقة (شعفاط) من القدس، إن فشل المهمة، والأسر فيما بعد لأهون على نفسي من أن يسقط صاروخ واحد على المسجد الأقصى.
خطرت على بالي تلك القصة وأنا أشارك في تشييع جثمان الطفل ياسر الأشقر في مقبرة الشهداء شرق مدينة غزة، الطفل الذي ارتقى إلى العلى قبل أبيه بيوم وليلة، بعد أن تفجرت في بيتهم قذيفة معادية أطلقها صديق، فأصابت من أصابت، وقتلت من قتلت، وجرحت في النفوس وآلمت، وأحرقت قلب الأخ الأسير المحرر هشام عبد الرازق، الذي انتظر عشرين عاماً في السجون الإسرائيلية كي يرى له ولداً، فلما جاءه (جهاد) بعد عدد من البنات، فرح به كثيراً، وراح يحلم له بغدٍ يخلو من الحروب والتفجيرات، قال لي هشام عبد الرازق:
بإذن الله، سأحرص على أن لا يرث عني هذا الولد العمل في السياسة التي استحوذت على حياتنا، وعكرتها، وسأجهد كي يكون بعيداً عن الوظائف التي تأسر طاقة الإنسان، سأدفعه بإذن الله إلى العمل الحر، ليظل مستقلاً برأيه، آمناً بحياته.
في مطلع آب أغسطس عندما صار الطفل جهاد أربع سنوات جاءت القذيفة المعادية من صديق، لتتفجر فوق رأسه، توقع بأمه، وبكل أخواته الجروح، والكسور، ولكن القذيفة كانت على الطفل جهاد أشد وجعاً، وأثراً، لاسيما أنها لم تكتف بخطف كف يده الأيسر، وإنما خطفت قدمه الأيسر، وتركته أمام مجهول المستقبل، ومتغيرات السياسة التي هاجمته بعنف.
قبل ثلاثين عاماً حاول هشام عبد الرازق أن يضع عبوة ناسفة داخل إسرائيل، لكنها تفجرت بن يديه لخطأ ما، وما زالت آثار التفجير تظهر على وجهه، وعلى كفوف وظهر يديه، ورغم حرصه على عدم تورث أبنائه نشاطه السياسي والعسكري، إلا أن الوضع الفلسطيني العام، وخطأ البعض لم يحل دون أن يتورث الطفل الإصابة ذاتها عن أبيه، وما يزيد!!!
لقد ظل هشام عبد الرازق، وما يزال يرفض مظهرين ممقوتين داخل المجتمع:
الأول: المظهر الوزاري الذي يتيه على الجماهير بصولجان الوزارة، وسياراتها الكثيرة الفاخرة التي ينفق وقودها على مخيم لاجئين، وبعدد سائقي معالي الوزير، ومستشاريهن وما يسبقه ويلحقه من ضجيج، وهيلمان، وزعيق، ودوي أبواق الحراسة.
لقد ظل هشام عبد الرازق يقود سيارته بنفسه وهو يشغل منصب وزير، ويتنقل بها وحيداً في شوارع غزة، بل ويترجل منها ويتنقل بين الناس، ويمشي آمناً، لم يغلق مكتبة يوماً في وجه أسيرٍ، أو في وجه أم أسير مهما كانت غايتها.
الثاني: مظهر الصواريخ العشوائية المنسوبة للمقاومة، فلم يبخل الرجل برأيه، ولم يخف قناعته، وجهر بموقفة في أدق الأوقات، ولطالما ردد: أن ضرر الصواريخ العشوائية أكثر من نفعها، وإن القذيفة التي تهاجم بيت الصديق هي قذيفة عمياء معادية، يتوجب تفكيكها.
لقد تعمدته القذيفة العشوائية العمياء، وأصابت جميع أفراد أسرته، لتؤكد بالفعل، وفي لحظة خاطفة، ما ظل يحذر منه بالرأي والقول عدة سنوات.