دعا الزميل عارف حجاوي في العدد السادس من صحيفة الحال إلى إنشاء حزب ثالث باسم حزب الانتخابات والديمقراطية، واختار له الترميز "حاد" هي الحروف الأولى من كلماته الثلاث، لكنه تمنى ألا يكون الحزب حادا في مواقفه، وهذا يتفق مع الأفكار اللينة التي فصلها الزميل للحزب، فمهمة هذا الحزب تنحصر في جذب الحزبين الكبيرين "فتح" و"حماس" الى منطقة الوسط، بعيدا عن أبوية وهيمنة "فتح" والايديولوجية الدينية لـ"حماس". ومن خلال فرض مبدأ الشراكة على احداهما وفق شروط محددة، وبهذا المعنى فان الحزب سيضطلع بدور "بيضة القبان" التي ترجح بقاء "فتح" في سدة الحكم، ولاتستبعد احتمال صعود "حماس".
فكرة وجود الحزب الثالث ليست جديدة في ظل وجود أحزاب عديدة ومخضرمة، لكن الدور الديمقراطي المناط بالحزب لم يكن موجودا في التجربة الفلسطينية، وهذا يجعل الموضوع جديرا بالنقاش، فالتعددية ما قبل صعود "حماس" أدخلت الحركة السياسية في جمود وحالة من الثبات المشفوع بمحاصصة مستدامة، فبقيت سلطة "فتح" سلطة على الدوام، والمعارضة معارضة الى ماشاء الله. وفي ظل المنافسة الشديدة بين "فتح" و"حماس" فان حسم السيطرة بات يعتمد على تحالفات من خارجهما، او اللجوء الى الائتلاف وتقاسم السلطة فيما بينهما، ولكن على حساب الديمقراطية داخل المجتمع. غير ان الطرف المرشح لحسم السيطرة من خلال الاستقواء بالحزب الثالث هو "فتح"، لان الحزب العتيد سيكون معبرا عن القوى الاجتماعية التي لها مصلحة في التغيير الديمقراطي والعدالة، وهو حزب علماني تنويري أقرب الى "فتح" وأبعد ما يكون عن اطروحات "حماس" الاجتماعية والثقافية المحافظة والتعصبية.
موضوعيا الواقع الفلسطيني بحاجة الى مشروع نهضوي سياسي اجتماعي ثقافي غير ملتبس تكون رافعته القوى الديمقراطية والعلمانية، والدينية المتنورة، القادرة على استيعاب التحولات الكبرى، والقادرة على المبادرة والخروج من الازمات.
وعمليا، "تجري الرياح بما لا تشهي السفن"، فمن يدقق بالفترة الانتقالية التي دشنت بانتخابات الرئاسة وما زلنا نعيش تناقضاتها، سرعان ما يستشعر الخطر الذي يهدد المشروع الوطني وانجازاته المتراكمة خلال العقود الاربعة الماضية.
وللاسف لم ترتبط هذه المرحلة الحرجة بعملية فرز واستقطاب سياسي من خلال تمحيص التجربة وتبيان النجاح والاخفاق، وتحديد الفارق بين برنامج سياسي وآخر ودفع عملية الاستقطاب لمصلحة السياسة المنسجمة مع المصالح الحقيقية الراهنة والمستقبلية للشعب الفلسطيني. ماجرى ويجري هو تغييب السياسة والتلطي خلف المزاج والتلقائية الشعبوية، وكان من تجليات تغييب السياسة تغيير "حماس" لمواقفها وبرامجها على صعيد وطني دون ان يطرح ذلك التغيير اي تساؤل، وبروز ظاهرة عدم دفاع "فتح" عن مشروعها وبرنامجها، دون ان يطرح تساؤلات. غير ان اخطر ما يترتب على تغييب السياسة هو اقصاء المجتمع عن دوره في المشاركة والمساءلة والمحاسبة، وللاسف فقد تعرض المجتمع لمحاولات شراء نفوذ، وحاولت القوى المتنافسة خلق وتكريس مبدأ التنفيعات وتقديم الخدمات مقابل ولقاء الولاءات، وهذا النوع من الاستقطاب يشكل بديلا للاستقطاب على اساس البرنامج الذي يستجيب للمصلحة العامة ويطرح الحلول الجماعية. وتستند السياسة الخدمية الانية لاقتصاد ريعي، حيث ان التبرعات والدعم الخارجي وأموال الزكاة وغيرها لا تدخل في دورة انتاج داخل المجتمع بل تذهب لجيش المليشيات والمتفرغين والدعاية وشراء النفوذ، وهذا الشكل الريعي قاد ويقود الى تشوهات خطيرة، ليس أقلها الطفيلية والبطالة المقنعة والبيروقراطية والتعصب الفئوي. وفي ظل التنافس على النفوذ وجذب الموالين بعيدا عن البرامج والمصالح الفعلية للناس، فقد تراجعت "فتح" عن تراثها وتقاليدها النضالية الديمقراطية الى حد مدهش، وبدأت تتنافس مع "حماس" على تقاليدها المحافظة والسلفية، صمتت "فتح" في نابلس على منع الاغنية السياسية ــ مهرجان عمار حسن ــ بل شاركت كتائب الاقصى في المنع ومن الموقع الاكثر انتهاكا للديمقراطية، موقع اطلاق الرصاص لارهاب المحتفلين، وتتنافس "فتح" على إقامة الاعراس بالطريقة السلفية التي تلغي التراث التاريخي البديع للعرس الفلسطيني. وكان مستوى اعتراض "فتح" على منع مجلس قلقيلية للمهرجان الفني ضعيفا ومترددا بل ان عددا كبيرا من كادر "فتح" تماهى مع الاجراء ودافع عنه بكل ما يعنيه هذا التماهي من تنكر وتراجع عن المشروع الوطني الثقافي التاريخي الذي تبنته "فتح". ان استمرار التراجع الفتحاوي على الصعيد الاجتماعي يؤذن بانهيار المشروع الوطني الديمقراطي لمصلحة السلفية القديمة الجديدة، كما ان استمرار تغييب السياسة في التنافس والاستقطاب، يقطع الطريق على امكانية تصويب السياسة واشكال النضال والتغيير، فالعنصر الجوهري لأي تغيير يرتبط بالسياسة الواقعية الوطنية المتجددة التي تشكل ناظما لاي تغيير. وتغييب السياسة يهدر تفوق الواقعية الوطنية، ويقطع الطريق على التحالف مع المعسكر الكبير المتضامن والداعم لنضال الشعب الفلسطيني التحرري الديمقراطي.
ان هذا الاختلال في تنظيم "فتح" وثيق الصلة بالاختلال في تنظيمات اليسار التي لم تتمكن من تجاوز ازمتها، بدءا بالخمول الفكري، مرورا بالانعزال عن الاجيال الجديدة والقوى الاجتماعية التي لها مصلحة في التغيير الديمقراطي والاجتماعي. واستمرار الوقوع في براثن المركزية التي تسقط الهيئات والمواقف على قواعد التنظيمات والمجتمع، وطغيان مفهوم الحزب الغاية بدلا من الحزب الوسيلة. وانتهاء بصرف النقابات والاتحادات الشعبية والجمعيات والمنظمات الجماهيرية عن العمل والنضال في صفوف جماهيرها ولمصلحتها، وتحويلها الى ديكورات دعاوية في خدمة التنظيمات وقياداتها الدائمة في الغالب.
بعد عرض دراما "فتح" والتنظيمات اليسارية، من اين سيأتي الحزب الثالث المنقذ؟ الزميل حجاوي صاحب مبادرة الحزب الثالث يستبعد احزاب اليسار التي وصفها بصغار الكنغر التي تهرع الى جيب امها وقتما يصيح الصائح يا لتغلب! فاذا كانت هذه الاحزاب مستبعدة من اين نأتي بالحزب العتيد؟ اذا كان الهدف تصويب "فتح" كقوة اجتماعية كبرى من خلال التحالف معها، وعدم استبعاد كسر حدة الايديولوجيا الحمساوية ضمن اهداف الحزب، لم لا تكون هذه الاحزاب من مكونات الحزب الثالث على القواعد السياسية والديمقراطية الجديدة التي تقطع مع التراث البيروقراطي الذي جلب الشلل والجمود. ان القوى اليسارية ذات الامتداد الجماهيري لها مصلحة حقيقية في رص الصفوف وخوض الانتخابات بشكل جماعي لا فئوي، وخاصة بعد انهيار نظام الكوتا، والشروع بطرح قانون الاحزاب الجديد الذي سيضع كل التنظيمات امام استحقاقات غير مسبوقة، فالتاريخ النضالي لا يكفي عندما نكون امام صناديق الاقتراع. ان تعديل مواقف هذه القوى بالمعنى الايجابي الديمقراطي سيساهم في استقطاب الكتلة الديمقراطية المتناثرة في كل مكان. لقد فشل المنسلخون عن الاحزاب اليسارية والمستقلون بلا انسلاخ طوال العقد المنصرم في تشكيل البديل، فلم يكن توزعهم على المنظمات الاهلية بديلا كما لم يتجاوز عملهم في مؤسسات السلطة حدود الحلول الفردية. اذا فليتراجع الذين اخفقوا هنا وهناك ليلتقوا عند المصلحة العامة في تأسيس الحزب الثالث على اسس جديدة. - (الأيام 9 آب 2005) -