ياسر عرفات. لا بد من العثور علي دور له فيما يتفاعل الآن، رغم غيابه. ليس من باب استحضار الأرواح طبعا ولا إعادة إنتاج الرموز. بل من منطق ارتباط المحطة الساخنة الراهنة من تاريخ الشعب الفلسطيني المصر علي المجد، بالسفينة التي قادها عرفات لعقود وسط تلاطم أمواج الطغيان وقرصنة بعض ذوي القربي.
ذلك القائد غاب، نعم. ولكن ليس إحدي أدق مقولاته. وعلي أية حال فها هي المسيرة تتواصل. ولكل نهار كادحوه.
هل نحن بحاجة الي دليل؟ لا أعتقد. مع ذلك فليكن: الدليل في غزة. في غزة هاشم. في غزة فلسطين.
كم كرر أبو عمار وأكـد، حتي خلف جدران حصاره، ورغما عنها، بل في تحدٍ مناضل لاشتدادها عليه بكل ما يمثـله، بأن الحق الفلسطيني ثابت المشروعية والخطي، له شعب يحميه، وهو أكيد التـحقق، وأن من لا يعجبه.. فليشرب من بحر غزة.
وفي غزة الآن، يقوم أبو الاستيطان ارييل شارون بالذات بوضع الأساس لأولي نهايات حلم أصوليي اسرائيل. ها هو يقوض ذلك الجزء من مشروع الاستعمار الاستيطاني، وبيديه الإثنتين!
أمس الأول، يوم الأربعاء، اعترف شارون قائلا ما معناه: أنا أيضا كنت شريكـا بهذا الحلم، لكنه حلم قد انتهي.
وبداية الخروج من الحلم هي بداية اليقظة الاضطرارية لدي الجنرال. بالضبط كانسحابه الاضطراري هذا. ليس لأنه سئم النوم في الضباب الأمني والسياسي والأخلاقي الذي يلف اسرائيل برمـتها. فالضباب السياسي هو استراتيجيته المـُعلنة. بل لأن هناك شعبا سئم القهر ويصر علي دحر الكابوس الذي ينهش ليله ونهاره. لأن هناك ضميراً فلسطينيا يؤرقه حلم التحرر، فيرفض الذهاب في السبات، بل يصر علي السهر لتجسيد حلمه النبيل.
إنه ليس معجزة ولا أسطورة. بل هو شعب ككل الشعوب، شقيق لكل البشر وابن للإنسانية وتاريخها وحلمها وحسها الفطري والواعي معا بالتحرر.
شعب يرفض الاختناق تحت الاحتلال بل يرد الحراب الي نحور مـُشهريها!
وكما أن للصمود ثمنا، وما أقساه من ثمن، فإن له أيضا ثمر.. وأول الغيث قطر:
ها هي مستوطنات غزة تفرغ بل تـُفرغ. ها هي فلول الاستعمار الذي ظن التفوق تستعد لأولي المغادرات. ها نحن نطل علي بداية انقلاع الاحتلال.
ها هو خريف الجنرال يقترب.
هناك من يعتريه القلق من الآتي، وهذا هو صوت الواقع: فلنحذر! هناك من يسكنه التفجع علي ما مضي، وهذا هو صوت القلب: فلنتذكـر!
وللأسف هناك من ليس لديه غير استسهال ما يتفاعل أمامنا، وبث الانهزامية القائلة بألا جديد تحت الشمس، وهذا هو صوت السماجة.. إذن فلنعبـُر!
ولكن هناك أيضا من يري أن غزة هي البداية، ليس لأن آلهة الأقدار أصدرت حكمها، بل لأن للحق شعبا يحميه. وهذا هو صوت الإرادة. إنه صوت التحرر.. فلنتفاءل!
صحيح، لقد عرفنا ولا نزال نعرف أن شارون وصحبه يملكون الكثير من البرامج لما بعد انقلاعهم من غزة الأبطال، صحيح. لكن التاريخ القريب يعلـمنا أنه كانت في جعبات غرورهم وصلفهم واستعلائهم الأحمق برامج بعدد جرائم نظام احتلالهم، منذ تصفية قضية هذا الشعب عام 1948 وعام 1967 وعام 1982.. فما الذي تبقي من كل هذا الوهم؟
كم مرة أعلن الأقوياء الانتصار وصدقوا زعمهم حتي اشتعلت لحظة التحرر فانقلب السحر علي الساحر؟ وكم مرة صدق مجانين البطش أن هذا الشعب الفلسطيني غاب في ثنايا الأمس، ومعه حقه ومطلبه وارادته، حتي اكتسي البؤس والقهر والفقر بالغضب الساطع، فغاب الغياب وتوهج الحضور بكل تألـقه؟
والآن أيضا، لا زال بإمكان شارون وسلفه وخلفه وسابقيه ولاحقيه أن يملكوا ما يشاؤون من أوهام ومخططات، لكنها لن تكون مـُلزِمة أبدا لشعب شب علي طوق الذل، وأثبت أنه علي موعد مع الحرية، وسيظل.
فمن صمد حتي الساعة لا شك أنه سيجدد إيمانه بل يقينه الساطع بالتحرر ازاء هذا الانقلاع الاحتلالي الاسرائيلي الذي عبثا يحاول الأقوياء ستر ما فيه من ذل لهم ولكل مشاريعهم المتهاوية. وها هو بحر غزة. وها هي مقولة أبو عمار.
وها هي شمس الطغاة تغيب في عـُمق بحر غزة، وهي البداية. البداية فقط، ولها ما بعدها لا محالة. لأن شمسا أخري تبزغ وتطلع وتسطع: شمس حرية الشعب الفلسطيني الذي كلما دفنوه خرج ليفسد عليهم مراسيم الجنازة.
فيا لمجد وروعة الغد لشعب لا يرضي بأقل مما ترضي به الشعوب من الحياة، بكل معني وحرية وطعم الحياة. - ( القدس العربي 20 آب 2005) -