يقال ان معاناة غزة ومقاومتها لعبتا دورها في الانسحاب الاسرائيلي منها، جيشاً ومستوطنين. ويقال، بقدر لا يقل صحة، ان الرغبة الاميركية على ايقاع الوضع الراهن في العراق، وفي سائر المنطقة، لعبت دورها. كذلك تندرج في الوجهة نفسها حسبة شارون للأكلاف والمكاسب، وهي حسبة تجمع الاستراتيجي والسياسي الى الديموغرافي والاقتصادي. لكن سبباً آخر نادراً ما يُذكر هو الذي ما كانت الأسباب المذكورة أعلاه لتنتج انسحاباً من دونه. والمقصود وجود أكثرية اسرائيلية وقفت مع الانسحاب. فموقف كهذا يقفه الرأي العام هو، في الدول الديموقراطية والاستعمارية في وقت واحد، شرط شارط لحصول الانسحابات من أراض محتلة. وهي، في واقع الحال، أكثرية ينبغي التفكير بإدامتها، لا بل محاولة إعدادها للموافقة على قرارات أصعب، بلا قياس، من الانسحاب الغزاوي.
ولأن نقاط التقاطع بين الرأي العام الاسرائيلي ومواقف الدول الغربية القادرة سياسياً واقتصادياً اكثر من كثيرة، يؤلف النجاح الفلسطيني في ادارة غزة عنصراً حاسماً في حمل هذه الكتلة الاسرائيلية، وكذلك العالم الغربي، على تأييد ما لا يؤيدانه الآن بالدرجة نفسها، وبالنسبة نفسها، أي: اقامة الدولة الفلسطينية فوق الضفة الغربية وغزة. ولبلوغ الهدف هذا ترقى مهمة الرئيس محمود عباس الى سوية تاريخية يتوقف عليها اقناع المؤثرين، أو عدم اقناعهم، بقابلية الوطنية الفلسطينية ودولتها للحياة.
يتخلل المهمة هذه الحصول على الدعم المالي والاقتصادي الذي من دونه يبقى التفكير في مستقبل غزة عبثاً ووهماً. وهناك بالتأكيد قطع الطريق على رغبة ارييل شارون في التصعيد حيال أدنى بادرة عنف تصدر عن غزة. وشهية شارون اليوم يوسّعها وضعه الأقلي في قاعدته اليمينية والليكودية، وتشكيك هذه الأخيرة به وبسياساته في «التفريط» و»التنازل». وهناك ضرورة التغلب على الموقف الأميركي الجديد حيال الكتل الاستيطانية في الضفة، وتعميم القناعة، من ثم، بالرجوع الى خريطة الطريق. وفي البند هذا تحديداً، تُمتحن حصيلة الجهد الذي يبذله، وسوف يبذله، محمود عباس، والذي على أساسه تُكتب الحياة، أو لا تُكتب، لتحقق الوطنية الفلسطينية.
وقصارى القول إن تحدي النموذج، وعدم الاندراج تالياً في خانة «الدول الفاشلة»، هو المسألة الفلسطينية الأولى. فإما النجاح في غزة وكسب الأنصار لطرح مسألة الضفة الغربية، وإما تعريض غزة الجديدة لأذى اسرائيلي يفوق كثيراً مسافة الاقتراب من الضفة.
ملاحظة: دمع كثير سال في الأيام الأخيرة في اسرائيل، رآه البعض مبتذلاً وميلودرامياً، والبعض الآخر رآه مؤثّراً ومؤلماً. كائناً ما كان الأمر، يُخشى أن يكون شارون، المأزوم سياسياً، يتصيّد روائح دم يعادل ذاك الدمع. ويُخشى أكثر أن يقدم له الذريعة غزاويون متحمسون، أو لبنانيون متحمسون يواكبون حماسة الرئيس الايراني الجديد ويحاكونها، آملين أن يطوي «الخرابُ العظيم» ما استجد من تطورات في لبنان خلال الأشهر القليلة الماضية. - (الحياة اللندنية 23 آب 2005) -