سقطت هيبة الإستيطان أحد أبرز أعمدة المشروع الصهيوني، سقطت الهيبة، والمصداقية، وسقطت الأساطير والخرافات، وسقطت المدونات الدينية، ولم يبق من هيكل الإستيطان الصهيوني سوى الأكاذيب، ومحترفي التعويضات، ومزاولي مهنة التهريب وتجارة الممنوعات والإستفادة من الإعفاءات، وبائعي السيارات المسروقة، والبضائع التي انتهت مدتها القانونية، وتجارة السلاح والمخدرات !!! وهذا السقوط المدوي للاستيطان الصهيوني رأيناه بكل الوضوح الصاعق في قطاع غزة أرض كل البدايات الفلسطينية، رأيناه في هذا المشهد للخروج الاستيطاني الكبير من احدى عشرين مستوطنة، ورأيناه في قيام بعض المستوطنين بإضرام النيران في بيوتهم بعد إخلائها، ورأيناه في قيام الجرافات الإسرائيلية بهدم بقية البيوت !!! فهل هناك أدلة أكثر سطوعاً على إنهيار هيكل الإستيطان وفكرته ومشروعه أكثر من هذه الأدلة ؟؟؟
وبسبب وضوح هذا المعنى، قام شارون بإجراء هذه الخطوة المتوقعة سلفاً، والتي هي بمثابة صفقة فاشلة مع المستوطنين، وهي نقل بعض هؤلاء المستوطنين من نتساريم على شاطئ بحر غزة، إلى أرئيل على التلال المحيطة بالقدس !! يحاول شارون عبر هذه الصفقة إقامة حاجز جديد من الأساطير والأوهام والخرافات !!! ولكن الأوهام رغم آثارها السوداء لا تدوم إلى الأبد !!! وكيف بالله عليكم سيصدق مستوطنو نتساريم الذين قيل عنهم أن حالهم هو نفس حال تل أبيب ثم انخلعوا إلى غير رجعة، كيف سيصدقون أنهم سيصمدون هناك في أرئيل ؟! ربما يرحبون بالفكرة حتى يأتي الوقت الذي تدور فيه الدائرة ويحصلون على بعض التعويضات مثلما قبضوها في ياميت في العريش، وفي طابا، وفي قطاع غزة، ألم أقل لكم أن هيكل الإستيطان الصهيوني وفكرته الرئيسية ومشروعه قد انهار وأصبح خارج الزمن، ولم يبق منه سوى محترفي التعويضات ؟!
ولو عدنا إلى الوراء، فسوف نجد أن مشروع الإستيطان بكل حيثياته قد فقد بريقه منذ عقود طويلة، فالحركة الصهيونية استغفلت العالم كله بما يسمى بتجربة "الموشاف" وتجربة "الكيبوتس"، ثم اتضح بعد ذلك بأنها لم تكن سوى تجارب فاشلة، ومحض دعابة لا تستند إلى أي نوع من الحقائق، بل إن الأحزاب التي عاشت على تلك الدعاية ذهبت هي نفسها إلى النسيان !!!
اليوم، يحدث الشيء نفسه مع الإستيطان والمستوطنات التي قيل عنها عبر العقود الشيء الكثير في الأيديولوجيا، وفي الميثيولوجيا، وفي إستراتيجية الأمن !!! ثم إذا بكل ذلك يتحول إلى مجرد غبار وليس أكثر من غبار يتصاعد من أكوام الردم الطالع من هدم هذه المستوطنات !!! وذلك أن المستوطن في نتساريم الذي كان يرسل ابنه إلى المدرسة في حراسة كتيبة من كتائب الجيش الإسرائيلي وجد نفسه أخيراً وليس أمامه سوى أن يكرر نفس تجربة الفشل في موقع آخر في الضفة !!! إنه شيء يطيل فترة إحتضار مشروع الإستيطان الإسرائيلي ليس إلا!!!
وفلسطينياً، فإن ذهاب مستوطني نتساريم إلى أرئيل يمنحنا حافزاً إضافياً لكي نجيد إدارة اللعبة، لكي نثبت أن تكاليف هذا الإستيطان باهظة، وخسائر الإستيطان متعددة الوجوه، وأن شارون والذين سيأتون بعده في رئاسة الحكومة الإسرائيلية سيضاعفون من خسائرهم إذا لم يذهبوا إلى الحقيقة عبر أقصر الطرق، وهي مفاوضات الوضع النهائي الذي ينشئ دولة فلسطينية قابلة للحياة أي متصلة جغرافياً، أي بلا مستوطنين ولا مستوطنات !!!
هذه الصفقة المتمثلة بنقل مستوطني نتساريم إلى الضفة، هي نوع من محاولات السيطرة على الهلع، وهي نوع من محاولات الإنتقاص من عظمة النجاح الفلسطيني، وهي محاولة ساذجة لإيقاف تدفق الحقيقة الفلسطينية كمن يحاول أن يمنع السيل الجارف بأن يضع بعض الحجارة في مجرى الطوفان !!! وهذا يمنحنا ثقة أكبر بالنفس، ويعزز الإيمان بأن الدور الفلسطيني هو دور محوري في هذه المنطقة، وأننا نمتلك كل المهارات اللازمة لللعبة السياسية، وأننا لن نهدي الإسرائيليين مجاناً ما يخلصهم من الإرباكات التي بدأت في داخلهم ولن تنتهي بسهولة ولا في وقت قصير !!!
وهذا هو التوافق الفلسطيني الواعي والناضج الذي ندعو إليه ليلاً نهاراً، وهو أكبر من حدود المزاحمات الفصائلية الضيقة، فهناك مساحات واسعة للمزاحمات والمنافسات، بل وحتى التناقضات ولكن ليس في هذه الساحة التي تحتاج إلى جهدنا المحتشد، ومرونتنا الذكية حيث هيكل الإستيطان الصهيوني ينهار أمام عيوننا، وينهار بفعل حضورنا المتعدد الأبعاد، وينهار لأن العالم لم يعد يستوعب هذه الكومة من الأساطير والخرافات والأوهام الصهيونية !!! وهكذا فإن التوافق الفلسطيني الواعي والناضج هو القوة الخفية الكامنة التي تجعل كل هياكل الإستيطان وقلاعه تنهار لأنها بلا جدوى.
الحياة الجديدة (24/8/2005).