أظهرت استطلاعات الرأي الاسرائيلية، المنشورة صباح امس، تقدماً واضحاً لشارون على منافسيه عمير بيرتس ونتنياهو، جاء هذا التقدم بعد انضمام ايتزك لحزب شارون الجديد "كاديما" (الى الامام) وكذلك انسحاب الزعيم التاريخي شمعون بيريس من حزب العمل، وإعلانه رسمياً دعم شارون في حملته المقبلة. قد تبدو صورة الحراك السياسي في اسرائيل غريبة وعجيبة، خاصة للمتابعين الذين اعتادوا على سير الاحداث السياسية وفق قواعد مرتكزة على ركائز سياسية، باتت شبه كلاسيكية. وبالتالي فليس غريباً وصف ما يجري بالزلزال، او التحولات الحادة، غير المألوفة. لعل فيما يجري في اسرائيل من حراك داخلي ما يدعو الى رصد تلك التحولات، على انها تحولات غير مسبوقة من جهة، وسيكون لها تأثيراتها المستقبلية التي ستطال ماهية الدولة الاسرائيلية من جهة اخرى. وتقوم تلك التحولات على اساس تجاوز مرحلة القطبين المركزيين الاسرائيليين: العمل والليكود، الى مرحلة تأسيس قطب ثالث يضم اطيافاً سياسية مختلفة، ويرمي الى التوصل الى حل حاسم مع الجار الفلسطيني، ولو جاء هذا الحل عن طريق الفصل احادي الجانب. سيحاول هذا القطب الجديد، الاجابة على تساؤلات صهيونية مقلقة ومشروعة، سبق للعمل الاجابة عليها عبر الاتفاق الفلسطيني- الاسرائيلي، لكنه اخفق ووصل الى طريق مسدودة، كما وسبق للكيود الاجابة عليها، عبر الاجتياحات والاعتقالات والاغتيالات لكنه فشل هو الآخر وترتب على فشل العمل والليكود، توليد جملة تساؤلات مصيرية في اسرائيل تطال وجودها ومستقبلها في آن معاً، وهو ما يدعي شارون توافر الاجوبة المناسبة عليه، في جعبته.

لعل ما يساعد شارون في ادعاءاته تلك، هو حالة القلق المتنامية في اسرائيل، نتيجة ما يدور في الشرق الاوسط، خاصة بعد غزو العراق، ومحاولة الولايات المتحدة ايجاد ترتيبات شرق اوسطية واسعة، اضافة لنمو القوة الايرانية ووصولها حد انتاج القنبلة النووية، دون ان تتمكن الولايات المتحدة وقف ذلك، او حتى الضغط الجدي على القيادة الايرانية، للانكفاء ووقف النشاطات النووية.

تدرك اسرائيل ان مشروع الترتيبات الشرق- اوسطية الاميركية يتعثر ويفشل، ذلك ان الولايات المتحدة لم تتمكن من تحقيق الامن والامان في العراق، وبالتالي أصبحت الطريق مفتوحة أمام انسحاب القوات الاميركية، بعد استرضاء ايران تحديداً بغية الابقاء على الموقف الشيعي على ما هو عليه، وهو عدم مقاتلة القوات الاميركية... وبالتالي تركها تنسحب من المدن - على الاقل- دون خسائر فادحة. ومن جهة اخرى، في ظل ما تعانيه الولايات المتحدة من اشكالات جادة في العراق، فهي غير قادرة على فتح جبهة جديدة في سورية ولبنان، وهو ما يجعل من اللهجة السياسية السورية عالية وحادة في آن، اعتماداً على تعثر المشروع الاميركي في العراق من جهة، وعلى عدم قدرة الولايات المتحدة فتح جبهة العداء الجدي في وجه ايران، وبالتالي في وجه الشيعة في العراق. تدرك اسرائيل، أن المراهنة على المشروع الاميركي في الشرق الاوسط قد تكون مراهنة خاسرة، وبالتالي يتزايد الايمان بقدرة اسرائيل على ترتيب اوضاعها الداخلية، وفقاً لمصالحها الحيوية والامنية.

ما يرمي اليه مشروع شارون، هو تحقيق فصل احادي الجانب مع الفلسطينيين، وبالتالي خلق وقائع ميدانية تقر بها الولايات المتحدة والاوروبيون، وتفرض بالتالي، فرضاً على الفلسطينيين والعرب، وبذلك يتحقق الامن والامان الاسرائيلي، ويتم الحفاظ على الكيانية الاسرائيلية داخل دولة قوية، وبذلك يتم اسقاط احتمالات الدخول في دوامة المؤتمرات الدولية ومقررات الشرعية الدولية وغيرها. يستهوي مشروع كهذا، قادة اسرائيل، خاصة العسكريين والامنيين منهم، وهم من وجدوا في تجربة الانسحاب من قطاع غزة، ما يشبه التجربة المخبرية الناجحة، وهم من يجدون في الوضعين الاقليمي والدولي وضعين ملائمين ومناسبين لتوليد هذا المشروع في غضون السنوات القليلة المقبلة. ازاء ما تشهده اسرائيل من زلزال سياسي عميق، تبرز الاهمية لبروز استجابات فلسطينية موازية، تضع التصورات والمخططات اللازمة، لمواجهة ما هو قادم.. لا محالة!!

جريدة القدس (02/12/2005).