قبل أيام مر “يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني” الذي يصادف يوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، والذي كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد قررته منذ سنوات للتضامن مع الشعب الفلسطيني والتأكيد على حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، واختارت له اليوم الذي صدر فيه القرار 181 الخاص بتقسيم فلسطين العام 1947. في هذا العام، مر هذا اليوم بهدوء ودون أن يلاحظه أحد بالرغم من أن الأمم المتحدة نظمت حفلا بهذه المناسبة حضره أمينها العام كوفي أنان، ووزير الخارجية الفلسطيني ناصر القدوة. وتزامن حلول هذا اليوم مع قرارات وأحداث جديدة من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة أظهرت حجم التغير الذي أصاب مواقفها، كما أظهرت ما أنجزته دولة الاغتصاب على طريق توظيف (الشرعية الدولية) لخدمة مصالحها، مع أنها لم تتوقف عن ممارسة كل سياساتها العنصرية والعدوانية التوسعية.

ففي أول أيام شهر تشرين الثاني/نوفمبر، نجحت القوى الصهيونية بدعم أمريكي في استصدار قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يعتبر اليوم السابع والعشرين منه، من كل عام، يوم “إحياء ذكرى المحرقة- الهولوكوست” المزعومة. كذلك نجحت وبدعم أمريكي أيضا، في استبدال اللجنة الدولية لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة، بما سمي “مجلس حقوق الإنسان”، وهو ما اعتبرته المنظمات الصهيونية التي طالما اشتكت من تقارير اللجنة السابقة نصرا لها. وكمكافأة على الجهود الكبيرة التي بذلتها إدارة جورج بوش لتحقيق هذه الانتصارات، قررت المنظمة الصهيونية الأمريكية أن تمنح المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة، الصهيوني الأمريكي جون بولتون جائزة (المدافع عن إسرائيل)، وهو الذي كان قد قاد عملية إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية قبل سنوات.

وقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية التي سبقت هذه الانتصارات “الإسرائيلية”- الأمريكية في مجال تكريس (الدفاع عن حقوق الإنسان)، فضائح جديدة أظهرت زيف وكذب الادعاءات الأمريكية و”الإسرائيلية” حيث انكشفت، بعد محاولات لفلفة قصص التعذيب في جوانتانامو وأبو غريب، قصص السجون السرية الأمريكية في بقاع الأرض، واستعمال القوات الأمريكية في العراق الفوسفور الأبيض ضد المدنيين، وخطة بوش لضرب قناة الجزيرة الفضائية. أما على الجانب “الإسرائيلي”، وكأنما هناك سباق في الإجرام بين واشنطن وتل أبيب، فكان يوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني يوما أضيف فيه إلى عمليات القتل والاعتقال ومصادرة الأرض وقلع الأشجار اليومية، عملية جديدة تمثلت باقتحام سجن (عوفر) بالقرب من رام الله، حيث هاجم جنود الاحتلال الأسرى المعتقلين بحجة تفريق اعتصام مستعملين القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي انتهى بتعرض الأسرى للضرب المبرح بالهراوات وأعقاب البنادق فأصيب العديد منهم وكانت إصابات بعضهم خطيرة استوجبت نقلهم إلى المستشفيات، وكان بينهم القيادي البارز عبد الرحيم ملوح، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لقد استطاع النفوذ الأمريكي والآلة الإعلامية الأمريكية الصهيونية صرف نظر العالم عن كل الجرائم التي يرتكبها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني، فتحول الجزار شارون إلى رجل السلام غير المسبوق، وتحولت إعادة انتشار قوات الاحتلال في قطاع غزة إلى دليل على سعي الصهاينة المخلص إلى السلام، وفتح معبر، لا تزال السلطة الفعلية فيه لجنود الاحتلال، إلى معجزة سلامية لا تضاهى. وتحت غبار التضليل الكثيف مر يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني مرور السحاب، وأعطيت الجوائز للاحتلال وقواته والمدافعين عنه، ونسي الاحتلال وجرائمه! فلا أحد يعرف شيئا أو يذكر الأسرى الفلسطينيين في السجون “الإسرائيلية” بالرغم من الشهادات التي خرجت منها، والتي أظهرت بوضوح أن ما يواجهونه لا يقل وربما يزيد عما يواجهه المعتقلون في السجون الأمريكية في جوانتانامو وأبوغريب والسجون السرية التي يجري الحديث عنها في هذه الأيام.

وإذا كانت الجرائم الأمريكية، بما فيها جريمة احتلال العراق، تواجه اليوم المزيد من الاستنكار والتنديد من داخل الولايات المتحدة ومن خارجها، ويرتفع صوت المعارضين لها في أرجاء العالم مطالبين بوجوب رحيل القوات الأمريكية عن العراق والتحقيق في ما ارتكبته من جرائم، فإن أحدا لا يسمع أحدا يستنكر أو يندد بجرائم الاحتلال “الإسرائيلي” ضد الشعب الفلسطيني أو يطالب قواته بالرحيل عن الأراضي الفلسطينية، ولا حتى في (يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني) الذي قررته الأمم المتحدة ! إن العالم في ظل الهيمنة الأمريكية ينحدر إلى الحضيض ويتحول أكثر وأكثر ومن يوم ليوم إلى غابة تسود فيها الوحوش الآدمية التي أثبتت أنها أكثر لؤما وشراسة ووحشية من كل وحوش الغابة. - (الخليج الاماراتية 8 كانون اول 2005) -