تصحيحاً لبعض القراءات السياسية الخاطئة لنتائج الجولة الرابعة مِنَ الانتخابات البلدية الفلسطينية التي فازت فيها حركة حماس ، ولِمَا تمخَّض عن هذه القراءات مِنْ توقعات خاطئة أيضاً في شأن نتائج انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في الخامس والعشرين مِنْ كانون الثاني المقبل، لا بدَّ مِنْ قراءة وفهم دقيقين لنتائج استطلاع حديث للرأي أجراه المركز الفلسطيني لأبحاث السياسة والإحصاء ومقرُّه رام الله.
وأحسبُ أنَّ التصحيح يجب أنْ يجتنب الوقوع في خطأ أكبر هو الوصول إلي استنتاجات تَضْرِب صفحاً عن التناقضات الطبيعية في مواقف الجمهور الفلسطيني مِنْ قواه السياسية، ومِنْ كثير مِنَ القضايا الخلافية . لقد أظْهَر الاستطلاع، الذي لا مبرِّر مِنَ التقليل مِنْ أهميته بدعوي أنه استطلاع للرأي ليس إلا أو بدعوي أنَّه ليس دقيقاً أو موضوعياً بما يكفي لقبول نتائجه، أنَّ الغالبية العظمي (أكثر مِنْ 80 في المئة مِمَّن شملهم الاستطلاع) مِنَ الفلسطينيين (في الضفة الغربية وقطاع غزة) يعتقدون أنَّ التهدئة ، أو الهدنة ، غير المكتوبة مع إسرائيل والتي ينتهي أجلها بنهاية العام الحالي، يجب أنْ تستمر وتُمدَّد.
وعلي الرغم مِنْ أنَّ الهدنة القائمة لَمْ تأتِ بالنتائج التي توقَّعها الفلسطينيون وأرادوها لعدم وفاء حكومة شارون بالتزاماتها التي تضمَّنها اتفاق التهدئة ، فقد أيَّدها 75 في المئة مِنَ الفلسطينيين.
60 في المئة مِنَ الفلسطينيين، بحسب نتائج الاستطلاع، عارضوا اتِّخاذ قطاع غزة منطلقاً لهجمات عسكرية فلسطينية علي إسرائيل. 83 في المئة منهم أيَّدوا انضمام المسلَّحين إلي مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنها أجهزة الأمن.
51 في المئة منهم عارضوا مصادرة أسلحة الجماعات المسلَّحة . 86 في المئة منهم يعتقدون أنَّ الفساد ما زال متفشياً في السلطة الفلسطينية.
60 في المئة منهم ليس لديهم أمل في تراجع مستويات الفساد (في السلطة).
هذه النتائج تضع نقاطاً فوق وتحت كثير مِنَ الحروف، فالفلسطينيون في غالبيتهم مع حماس الاجتماعية في المقام الأول، وليسوا مع حماس السياسية ، التي أعلنت علي لسان رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل مِنْ دمشق أنَّها لن توافق علي تمديد الهدنة ، وأعلنت علي لسانه مِنْ طهران أنها ستزيد وتُكثِّف هجماتها العسكرية ضد إسرائيل في حال مهاجمة الدولة اليهودية لـ إيران النووية . وأحسبُ أنَّ غالبية الفلسطينيين تَعْلَم وهي تؤيِّد تمديد الهدنة ، وتُعارِض الهجمات المسلَّحة مِنْ قطاع غزة ضد إسرائيل، أنَّ خيار الحل عَبْرَ التفاوض السياسي مع حكومة شارون (القائمة والمقبلة) ليس بالخيار الذي تؤيِّده الحكمة أو الواقعية السياسية.
وتَعْلَم، أيضاً، أنَّ قطاع غزة، الذي خَرَجَ منه كل المستوطنين والجنود الإسرائيليين لَمْ تَدْخله بَعْد، وربَّما لن تَدْخله بَعْد سنوات، السيادة القومية الفلسطينية ، فهو، الآن، بين مطرقة الحصار الإسرائيلي المُحْكَم، والذي فيه مِنْ حياة السجن أكثر كثيراً مِما فيه مِنْ حياة الحرية والاستقلال، وبين سندان المنطقة العازلة ، التي لَمْ يَخْرج منها المستوطنون والجنود الإسرائيليون وتُهْدَم المستوطنات إلا لتصبح حقل رماية بالذخائر الحية لأسلحة الجو والبر والبحر الإسرائيلية، فلا جنود إسرائيليين يدخلون إليه، ولا فلسطينيين يبقون فيه أو يدخلونه.
ما معني هذا الموقف الشعبي الفلسطيني المتناقض؟ معناه الذي لا لبس فيه هو أنَّ الغالبية العظمي مِنَ الفلسطينيين تبحث عن الخيار الثالث ، الذي فيه يتمكَّن الفلسطينيون مِنْ إنشاء وتطوير مقاوَمة شعبية عامَّة منظَّمة ، تستمر فيها الهدنة إلي أنْ يَثْبُتَ لهم عدم جدوي استمرارها، ويُحارَب الفساد، ويُعاد بناء ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية، وتُشْحن حياتهم السياسية بمزيدٍ مِنَ الإصلاح الديمقراطي، وتُصلَّب إرادتهم السياسية أكثر فلا يشترون الحلول البائسة لقضيتهم القومية بثمن غالٍ.. يأخذون كل ما تتخلَّي عنه إسرائيل، ولكن مِنْ غير أنْ يدفعوا أي ثمن سياسي قَبْلَ أنْ يكتسب خيار الحل عَبْرَ التفاوض ثِقلاً يُعْتدُّ به، وقَبْلَ أنْ تُقِر حكومة شارون بوجود شريك فلسطيني تستأنف معه مفاوضات الحل النهائي. - (القدس العربي 30 كانون اول 2005) -