كانت بيروت الجميلة على موعد مع الإرهاب الأسود ظهر الاثنين الرابع عشر من فبراير 2005 م ، حيث حط رحاله فيها خاطفاً عشرات المواطنين اللبنانيين الأبرياء وفي مقدمتهم الشهيد الرئيس رفيق الحريري في جريمة إرهابية مروعة تعد من أبشع جرائم الإرهاب التي تعرضت إليـها بيـروت خلال تاريخها الطويل في المواجهة مع الإرهاب الأسود الممهور (( بالطابع الإسرائيلي )) ، لا لذنب اقترفته بيروت سوى أنها قبلت أن تكون منذ عدة عقود منارة للشرق وعاصمة للديمقراطية العربية وللثقافة والفن العربيين على الدوام.
بيروت التي لعبت دور الحضن الدافئ والآمن للكثيرين من المثقفين والسياسيين المناضلين على الدوام من أجل حرية لبنان وحرية كل العرب ، بيروت صوت من لا صوت له ، وملاذ من لا ملاذ له ، بيروت معلمة الديمقراطية ، وناشرة الثقافة والفن ، فمن من مثقفي العرب ومناضليهم من أجل الحرية والديمقراطية لم يتعلم من ديمقراطيتها وقد غرف من ثقافتها وفنها ونعم بحريتها ؟! .
فكل مثقفينا ومناضلينا مدينون لبيروت الثقافة والديمقراطية والحرية والفنون ، وقد قبلت بيروت دائماً أن تدفع ثمن هذا الدور الطليعي بين عواصم العرب ، تضحيات جسام ، وبقيت بيروت على الدوام شامخة بإنسانها النشيط وحاضرة تباهي عواصم الثقافة العالمية في قدرتها على استعادة وعيها ودورها في القيادة والريادة للفكر العربي ، واسترداد حريتها وحياتها التي كانت تصادرها قوى الظلام التي ترى في بيروت دائماً الخصم اللدود ، فظلت بيروت عصية على الانكسار والانحناء ، وستبقى عصية على الإرهاب ، بغض النظر عن مصدره وغرضه ودوافعه ، سواء منه إرهاب الأفراد أو العصابات أو إرهاب الدولة المنظم الذي كانت ضحية له على مدى نصف قرن مضى من حياتها.
واليوم تأتي هذه المحطة السوداء من محطات الإرهاب في بيروت التي استهدفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري لما مثله المرحوم وما اضطلع به من دور طلائعي في استعادة بيروت الثقافة والحرية والديمقراطية والسلم الأهلي والاجتماعي والنهوض الاقتصادي والإعمار لكل ما خربه الإرهاب الأعمى في بيروت طيلة خمس عشرة سنة عاث فيها الإرهاب المنظم وغير المنظم الذي تعرض إليه لبنان ولعبت فيه إسرائيل دور المحرك الأساسي له وزيت وقوده الذي أهلك عشرات الألوف من الأبرياء اللبنانيين وأشقائهم الفلسطينيين.
هذا العمل الإجرامي الشنيع الذي أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري يمثل تتويجاً لحالة التأزم في الوضع العربي الناتجة عن الضغوط والتدخلات الدولية (الأمريكية – الإسرائيلية) التي تتعرض لها المنطقة العربية والساعية إلى بسط هيمنتها عليها وإعادة صياغتها وفق مصالحها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ، فإن الجهات المدبرة والمنفذة لهذه الجريمة النكراء هي صاحبة مصلحة في فقد لبنان أمنه ووحدته وسيادته وتحويله إلى مسرح للصراعات والتجاذبات الإقليمية والدولية من جديد.
إن موجة الإرهاب التي تطال معظم الدول العربية خلال السنتين المنصرمتين وبغض النظر عن الأقنعة التي يتوارى خلفها الإرهابيون والمجرمون المدبرون والمنفذون ، فإنهم ينفذون أجندة واحدة تهدف القضاء على ما تبقى من أمن العرب وتحويلهم إلى فريسة سهلة لقوى الخصم يهضمها وقت وكيفما شاء.
إن فقد المرحوم رفيق الحريري بهذه الطريقة الشنيعة خسارة للبنان والعرب أجمعين إنه خسارة رمز من رموز لبنان (الطائف) لبنان الاستقرار والاعمار والتحرير والسلم الأهلي والاجتماعي الذي نعم فيه لبنان خلال الخمسة عشر عاماً الماضية ، إن هذه الجريمة النكراء تأتي لدفع لبنان إلى منزلق الفتنة والتمزق الذي عانى منهما لبنان أشد المعاناة قبل اتفاق الطائف والذي كان المرحوم رفيق الحريري أبرز فرسانه وأحرصهم على تنفيذه وتطبيقه ودوامه بما يحفظ للبنان أمنه وسلامه الاجتماعي ووحدته وسيادته ودوره العربي الطليعي في إرساء قيم الحرية والديمقراطية والسلام الاجتماعي.
إن الضغوط التي يتعـرض لها لبنـان خـلال الفـترة الحاليـة بدءاً من التدخـل في نظامه الانتخـابي مروراً باعتبار حـزب الله (( والمنخرط في الحـياة السـياسية اللبنانيـة والذي قاد المـقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي )) حزباً إرهابياً من قبل إسرائيـل والولايات المتحدة يجب استئصاله ، إلى الضغـط الدولي عليه لإنهـاء الوجـود السـوري فيه تنفيذاً للقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن بتوافق فرنسي أمريكي ، وصولاً إلى فرض اتفاق تسوية إذعانية بين إسرائيل ولبنان يقبل بموجبها لبنان توطين اللاجئين الفلسطينيين فيه ويوافق على إفقادهم حقهم في العودة إلى وطنهم فلسطين ، كل ذلك يدفع بالأعتقاد أن صاحب المصلحة الرئيس في هذه الممارسة الإرهابية الإجرامية التي استهدفت رمزاً كبيراً من رموز الاستقرار والأمن والبناء والسلام في لبنان هو (( إسرائيل )) وحلفاؤها بلا منازع كي تدفع لبنان للاستجابة والرضوخ لهذه الضغوط بدون قيد أو شرط ويذعن بالتالي لسياسة الاملاءات الأمريكية الإسرائيلية ، واستحقاقاتها المشينة في حق لبنان وحق العرب ، والتي من شأنها إعداد المسرح السياسي لإكمال الطوق على سوريا وإجبارها على التوافق مع الرؤيا الإسرائيلية الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط ، وإجراء التغيير الجراحي للنظام في سوريا عبر التلويح له بالنموذج العراقي إن حاول التريث أو التسويف بالالتزام بتنفيذ الأجندة الأمريكية الإسرائيلية المطلوبة منه على مستوى سياسته الداخلية والخارجية وخصوصاً منها العربية فيما يتعلق بفلسطين ولبنان والعراق وغيرها من القضايا العربية التي تنتظر المشرط الإسرائيلي الأمريكي لفتحها حسب الحاجـة الأمريكية الإسرائيلية.
فرحم الله الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمةً واسعة وحمى الله لبنان وشعبه من الانزلاق إلى مستنقع الفتنة الطائفية ، وأبقى بيروت الحبيبة شامخة ومنارة للحرية والديمقراطية وعصية على الإرهاب ومخططاته الإجرامية ومعها كل لبنان. * مدير عام مكاتب اللجنة الشعبية الفلسطينية E-mail: pcommety @ hotmail.Com - الرياض -