ستظل بارقة الأمل التي لمعت في قمة شرم الشيخ، حبل تفاؤل في بعث الحياة بحل للقضية الفلسطينية، التي كادت أنفاسها تختنق بعد توالي مساعي خنقها طيلة السنوات الأربع الماضية، في مواجهة جهود إبقائها على قيد الحياة.
وهو أمل في اطار اعتبارها خطوة وبداية لمشوار، وليست نهاية المطاف، وجزءاً من نفس سياق الصعود والهبوط في مساعي السنوات السابقة لعملية السلام منذ بدأت في مدريد ،1991 وليست حلقة منفصلة قائمة بذاتها، أو أن شرم الشيخ هي فتح صفحة مشرقة بالأمل، في كتاب مازالت مئات الصفحات فيه لم تقرأ بعد.
وتكون هذه النظرة إذن منسجمة مع قول مسؤول فلسطيني نقلاً عن أبو مازن: نحن لا نتكلم عن السلام الآن، ولا نتكلم عن خريطة الطريق. ولكن عن مراحل تأتي قبل تنفيذ خريطة الطريق.
إن التفاؤل الحذر هو أمر واقعي في تناول هذا الصراع الذي تتقطع خطوط وصوله إلى محطة الوصول أو محطة النهاية، كلما بدا انه اقترب منها، ولم يعد يفصله عنها سوى خطوات معدودة. وكان أكثرها دنواً من نقطة النهاية، ما كان يجري أيام كلينتون، والاتفاق على الاستحقاقات الفلسطينية، وإعادة الانتشار، ثم الانتقال لمفاوضات الوضع النهائي، لصياغة التسوية النهائية قبل عام 2000.
والتفاؤل الحذر أمر واقعي أيضاً على ضوء تجربة خروج الطرفين المتنازعين من داخل غرفة صياغة مرجعيات وقواعد إتمام عملية السلام في مدريد ،1991 إلى ساحة إدارة العملية، وكل منهما يديرها بمنطق يتناقض تماماً مع الآخر، ويقيم فاصلاً بين كل منهما والآخر، مما كان لا بد أن يقود إلى صدام، وإلى تعثر مسار وحركة العملية بكاملها.
وكانت أبرز عقبتين تتعثر عليهما عملية السلام هما:
* غياب أي استراتيجية عربية لإدارة الصراع.
* ثبات عناصر ميزان القوى السياسية بين العرب و”إسرائيل” على حالها، دون حدوث أي تحولات من العرب تكسب لنفسها رصيداً مضافاً من عناصر القوة: اقتصادية وتنموية، وقفزات بحوث علمية، وغيرها.
والدليل الأوضح على هذا ان دولاً عربية كثيرة سارعت إثر مدريد ،91 إلى إدارة علاقتها مع “إسرائيل”، من زاوية الفهم بأن عملية السلام بدأت وأن السلام قد حلّ، متجاهلة ان العملية محكومة بمفهوم التبادلية، أي الاستحقاقات للعرب، تتلوها استحقاقات ل”إسرائيل” أهمها العلاقات الطبيعية.
لكن “إسرائيل” أدارت عملية السلام حسب مفهوم أنها صراع من أجل السلام، أو حسب التعبير الذي استخدمه شيمون بيريز في محاضرة ألقاها في جامعة جورج واشنطن في العاصمة الأمريكية عام 1997 تقريباً، وكنت حاضراً يومها، حين قال ان عملية السلام هي حرب من أجل السلام.
أي أنها من الناحيتين صراعاً كانت أم حرباً هي عمل له قواعد تقوم على محاولة إنهاك الخصم، وإضعاف قدرته التفاوضية، واستخدام كافة وسائل الضغط الدبلوماسي والاعلامي والمعنوي، لاستخلاص أقصى ما يمكن استخلاصه منه، وعدم اعطائه إلا أقل ما يمكن.
***
أي أن تجربة التفاؤل غير المشروط والمرسل بلا حدود، هي درس لا بد من استخلاص العبرة منه، وأن قراءة تاريخ ما سبق هو إشعال لضوء يتيح لك رؤية ما هو لاحق. خاصة انه إذا كان قد حدث تغيير في موقف شارون، فإنه يظل تغييراً وليس انقلاباً على ثوابته الاستراتيجية، ومنها:
* التمسك بالحلول المرحلية طويلة المدى، دون حسم للتسوية النهائية، وتركها حسب تعبيره المتكرر لأجيال قادمة.
* قبول فكرة قيام دولة فلسطينية على غزة، وجزء محدود من الضفة الغربية، وفي نطاق حدود مؤقتة، أملاً بتعديل هوية القضية الفلسطينية، لتتحول في نظر العالم من قضية تحرير وطني من احتلال أجنبي إلى نزاع حدود بين دولتين.
* المراوغة في الدخول في مفاوضات مع الجانب الفلسطيني طبقاً لقواعد ومرجعية أوسلو 93 و،95 التي أقرت أن الطرف الفلسطيني شريك بالتساوي مع الطرف “الإسرائيلي”، الذي لا يحق له التصرف من جانب واحد في القضايا التي محلها مائدة المفاوضات.
***
وإذا كان شارون قد تراجع في شرم الشيخ عن المبدأ الأخير، وقبل التفاوض مع شريك فلسطيني، فإن ذلك كان استخلاصاً منه لدرس السنوات الثلاث الماضية، وادراكاً منه بفشله في سياسة كسر إرادة الفلسطينيين وارغامهم على الخضوع لما تمليه سلطة الاحتلال، وما ارتبط بها من مساندة ودعم سياسة نفض اليد مما يجري بين “إسرائيل” والفلسطينيين والتي أخذت بها حكومة بوش فور توليها السلطة في يناير/كانون الثاني ،2001 والتي بنيت على تصورات بأن المواجهة بينهما ستنتهي بأن يتمكن الأقوى عسكرياً من تكسير عظام وإرادة الأضعف، وعندئذ ينتقلان من مواجهات الشارع إلى مائدة المفاوضات، وهما على هذه الحال، فتتدخل الولايات المتحدة وقتئذ لتسهم في تسوية سلام.. وبالطبع كان التصور أن يكون سلاماً “إسرائيلياً” “إسرائيلياً”، وليس سلاماً فلسطينياً “إسرائيلياً”.
ومن ثم فإن قبول التفاوض كمبدأ هو عودة إلى ميدان الواقع، بعد الفشل “الإسرائيلي”.
ان النظرة الحذرة للخطوة الموحية بالأمل في شرم الشيخ، تراها خطوة لا ينبغي ان تدور في الدائرة المغلقة التي دارت فيها جهود التسوية، بلا استراتيجية ادارة صراع، وتبدأ من نقطة لتعود في آخر الشوط إلى النقطة نفسها، وإنما ان تكون الخطوة في خط مستقيم له بداية وله نهاية، تفلت من حلقة الحل المرحلي والتسوية المؤقتة طويلة المدى، والسير بثبات واصرار نحو الحل النهائي، الذي كان مفهومه وقواعده قد تأسست في مؤتمر مدريد ،1991 كسلام شامل عادل ودائم على كافة المسارات.
ومفهوم التسوية العادلة الدائمة الشاملة على كل المسارات، هو الذي تأسست عليه عملية السلام منذ ،91 وهو المفهوم الذي أخذت به حكومة الرئيس بوش الأب، ومن بعده الرئيس كلينتون، بوصفهما هذا الحل الشامل على كل المسارات بأنه تحقيق للمصالح الوطنية للولايات المتحدة، وليس تسوية لنزاع عربي “إسرائيلي” فقط. ومن هنا طرحت ومارست الحكومتان دور الوسيط النزيه الذي لا يتحيز وإنما يباشر دوره بسياسة متوازنة.
وقد يجرنا هذا إلى الاقتراح القائل بأنه إذا كان للولايات المتحدة ان ترجع إلى دور الوسيط النزيه، كضمان لعدم الخروج على الخط المستقيم الموصل للتسوية النهائية، فقد يفيد ايجاد نخبة أمريكية من الذين تبنوا هذا المفهوم للتسوية، وكان لهم فكر استراتيجي من كيفية حماية مصالح الأمن القومي الأمريكي في المنطقة، مثل: بوش الأب (جمهوري) وجيمس بيكر (جمهوري)، وادوارد جيريجيان (جمهوري)، وكارتر (ديمقراطي)، وبريجينسكي (ديمقراطي)، وكلينتون (ديمقراطي).
.. فهل يفيد؟ - (الخليج الاماراتية 16-2-2005) -