من الممكن اعتبار المسألة قضية شخصية تتعلق بأربعة طلاب من غزة: بشار أبو شهلا، وليد مهنا، محمد مطر وبشار أبو سليم. الاربعة سينهون دراستهم في الهندسة في جامعة بيرزيت في هذه السنة حسب المخطط. يوم الاحد كان اليوم الاول في آخر فصل من دراستهم في الجامعة، إلا ان الجيش الاسرائيلي قام بإبعادهم الى غزة في شهر تشرين الثاني 2004.
قضية هؤلاء الاربعة تشبه قضية 30 مواطن غزي آخرين ما زالوا يدرسون في بيرزيت (مقابل 350 طالبا في عام 2000) ولم تكن أمامهم فرصة ممكنة لتمديد تصاريح بقائهم في الضفة: خلال السنوات الاربع الأخيرة وافقت السلطات الاسرائيلية على معالجة القضايا "الانسانية" العاجلة فقط للفلسطينيين الذين يطلبون التوجه الى غزة أو الخروج منها. حق الدراسة لم يكن بين هذه "القضايا الانسانية". الطلاب الذين عادوا الى غزة في الاجازات لم يتمكنوا من العودة بسبب عدم حصولهم على التصاريح، وهكذا فقدوا دراستهم الجامعية.
عندما أثيرت حملة احتجاج دولية بعد إبعاد الاربعة المذكورين الى غزة اقترح الجيش الاسرائيلي عليهم التوقيع على تعهد بالعودة الى غزة بعد إنهاء دراستهم. ربما يتم ايجاد حل فردي لهؤلاء الاربعة بهذه الصورة أو تلك، إلا ان المشكلة ليست شخصية.
المشكلة هي ان اسرائيل تصرفت بصورة مخالفة لأحد البنود الوحيدة التي كان من الممكن اعتبارها ايجابية في اتفاقات اوسلو، ومن دون ان تجد من يحتج على ذلك، أو يقف في طريقها. البند المذكور في اتفاق اوسلو ينص على ان الضفة وغزة هما وحدة اقليمية واحدة. حكومة الليكود في ظل اسحق شمير، وحكومة العمل - ميرتس تحت قيادة اسحق رابين وشمعون بيرس وضعتا أسس عزل الضفة عن غزة من خلال سياسة الاغلاق التي بدأت في عام 1991. والتقييد الواسع لحق الفلسطينيين في التنقل بين شطري "الوحدة الاقليمية الواحدة".
سياسة العزل وتقطيع الأوصال انعكست في مظهر مثير للحنق بصورة خاصة عندما أعطت اسرائيل لنفسها الحق في منع "تغيير العنوان" في الهويات الشخصية الفلسطينية من غزة الى الضفة. صحيح ان الاتفاق الانتقالي قد ترك بيد اسرائيل السيطرة النهائية على تسجيل السكان الفلسطينيين وتقرير من يتجنس منهم. اللاجئون منذ عام 1948 والنازحون في عام 1967 لم يتمكنوا من الاقامة في مناطق السلطة والحصول على جوازات وهويات فلسطينية إلا في حالات استثنائية قبلت اسرائيل فيها ذلك. ولكن قبل الاتفاق الانتقالي سُمح للفلسطينيين باستبدال عناوينهم من محافظة الى اخرى، وكان مطلوبا من السلطة فقط ان تُعلم اسرائيل بذلك.
وسرعان ما تبين ان اسرائيل لم تسمح بالتبديل الاوتوماتيكي السريع للعنوان من غزة الى الضفة وفي الواقع منعت عددا غير معروف من سكان غزة - حسب معايير غير واضحة - من استبدال عناوينهم ونقلها بما فيهم اشخاصا عاشوا لسنوات طويلة في الضفة. اسرائيل حظرت على سكان غزة الذين خرجوا من القطاع عبر معبر رفح من العودة عبر جسر اللنبي حتى لا يتوجهوا من هناك الى الضفة، محاولة بذلك سد كل الثغرات الممكنة. الاغلاق المحكم للضفة اليوم أمام سكان غزة هو تغير كمي فقط وليس نوعيا لان هذه السياسة كانت قد بدأت منذ وقت بعيد.
الطلاب الاربعة المطالبين بضمان العودة الى غزة عند إنهاء دراستهم وكأنهم قد تنازلوا سلفا عن حقهم في اختيار موقع سكنهم في مناطق السلطة الفلسطينية، والبحث عن عمل في الضفة واقامة أسرة فيها، يعتبرون ذلك قرارا مصيريا على المستوى الشخصي، إلا ان المسألة بالنسبة لجامعة بيرزيت هي مسألة مبدئية ولا غرابة انها لا تستطيع الموافقة على تعاون مؤسساتي مع قرار اسرائيلي يمس بالحقوق الانسانية الأساسية. المسألة قد تفهم على انها موافقة ومشاركة في المخطط الاسرائيلي الهادف الى عزل سكان غزة عن أبناء شعبهم في الضفة بصورة نهائية. - (هآرتس 17/2/2005) -