هذه القصة حقيقية و من ارض الواقع، من فلسطين الحبيسة، رهينة الاحتلال والاستيطان في زمن عز فيه الرجال في بلاد العرب، حيث يتحكم بالأمة أشباه رجال وحيث تحكم الوطن العربي الكبير المتصاغر يوما بعد يوم ثلة من الذين لم تعد تهمهم أحوال الرعية، ولا حياة السكان في ظل الهجمة الاستعلائية الاستعمارية، قصتنا ليست من أفلام هوليود لكنها من فعل دولة اليهود،وليست من قصص ألف ليلة وليلة إنما قصة تحكي عن ليالي طويلة وأيام أطول مرت على عائلة سعيد بلال. فمعاناة آل بلال والأم الخنسائية أم بكر بدأت منذ ما يقارب ال12 سنة حين اعتقل الاحتلال الإسرائيلي في نابلس الابن الأول واسمه معاذ. وتم اقتياده مكبلاً بالأغلال إلى المعتقل ليصبح أول أسرى العائلة. وقد حكمت عليه أحدى المحاكم الاحتلالية حكماً بالسجن المؤبد 26 مرة مع 25 عاماً إضافيةً و24 شهراً علاوة على ذلك كله. ويقبع الأسير معاذ في سجن هدريم.

أما عثمان الابن الثاني لعائلة بلال فهو رهينة في سجن جلبوع حيث بعد اعتقاله حكم عليه بالسجن المؤبد خمس مرات، وذلك من قبل محكمة السجان الإسرائيلي. مما يعني أن عثمان ذو الخمس مؤبدات و شقيقه الأول معاذ ذو ال26 مؤبد قد لا يلتقيا أبداً بوالديهما إلا إذا سمح الله لهما أن يعمرا ما عمر سيدنا نوح...

طبعاً القاضي الجلاد أصدر تلك الأحكام الظالمة و الجائرة دونما اكتراث بحقوق للبشر والإنسان يفترض أنها موجودة في دولة بدورها يفترض أنها دولة قانون وقضاء. لكن واضح من تلك الأحكام الجائرة وألا إنسانية والتي لم نشهد مثلها في العالم سوى فيما يعرف بدولة " إسرائيل"، أن تلك الدولة مارقة، والأحكام فيها تعبر عن لا ديمقراطية الحكم والقضاء. مع أنها مصنفة كدولة ديمقراطية وحيدة، وهناك من يحلو له تكرار جملة" الدولة أو الواحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"... ان تلك الدولة الحربية التي اسمها إسرائيل هي ديمقراطية ليهودها فقط لا غير، لان المواطن الفلسطيني العربي الذي يحمل الهوية أو جواز السفر الإسرائيلي يعامل كمرتبة ذيلية و بدرجات أدنى. أما الفلسطيني القابع تحت الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة فلا حقوق له ولا ما يحزنون، ويعامل معاملة شبيهة بتلك التي تلقاها اليهود في زمن النازية الألمانية والفاشية الأوروبية.

لم يكتف القضاة الديمقراطيون، وجيشهم المدافع عن عدالتهم الزائفة باعتقال الأخوين معاذ وعثمان، فقاموا باعتقال شقيقها الأصغر ويدعى عبادة وهو شاب يعاني من ضعف البصر. لكن بالنسبة للجيش الذي لا يوجد عنده نظر فأن كل فلسطيني متهم بالإرهاب وكل فلسطيني يجب أن يتذوق صنوف العذاب التي يتفنن الاحتلال في اختراعها وتجريبها على أهل فلسطين... وليس الشاب عبادة، المريض،الذي يكاد يرى بعينيه، سوى ضحية من ضحاياهم/ حيث حكم عليه في محكمة مفترض أنها ديمقراطية وتعرف أصول القانون الدولي وحقوق البشر والأسرى في زمن الحرب،بالسجن الفعلي لأحدى عشر سنة... تصوروا 11 سنة فقط لا غير... وهذا يعني بالتأكيد أن تلك الفترة التي قضى منها لغاية الآن سنتان ونصف السنة سوف تكون كفيلة باخراجه من معتقلات الجحيم الإسرائيلية بدون بصر، حيث أن سوء المعاملة وعدم توفير الحياة الطبيعية والطبابة العادية للأسرى سوف تجعل منه ضريراً مدى الحياة.

أما بكر الابن البكر أو الأكبر لوالدته أم بكر فقد اعتقل قبل حوالي 18 عشر شهراً وحم عليه بالسجن لأربع سنوات ، وكان شقيقه الرابع عمر اعتقل معه بنفس اليوم لكن تم إطلاق سراحه قبل حوالي ستون يوماً. مما يعني أن أبناء أم بكر قضوا السنوات العشر الأخيرة في السجون والمعتقلات بعيدا عن الوالد والوالدة. ويعني كذلك أن حلم اللقاء بين الوالدة وأبناءها الذين بلغ مجموع الأحكام بالسجن التي صدرت بحقهم معاً 700 عام أشبه بالمستحيل. لكن وبالرغم من تلك الأحكام الجائرة والخيالية والتي لا يقبلها المنطق ولا يصدقها العقل إلا أن معنويات الأم الصابرة الصامدة تشمخ في علوها و تتصخر وتتفولذ في صلابتها ومتانتها وإيمانها الراسخ بعدالة وقداسة ما فعله أبناءها الأسرى لأجل وطنهم الأسير تحت الاحتلال. وكذلك فان معنويات الأخوة الخمسة الذي قدموا أنفسهم وحريتهم وأرواحهم وحياة عائلتهم من أجل حياة وحرية شعبهم ووطنهم صلبة ومتينة ولم تكسرها أحكام الاحتلال وقضبان السجون وغياهب المعتقلات والزنازين.

في هذا الزمن العربي المكحل بسواد المراحل والموشوم بظلامية أمريكية خاصة لا يسعنا إلا أن نقول لأم بكر وأولادها الخمسة، لا تهنوا واصبروا فأن الله مع الصابرين وأن فجر الحرية لا بد آتٍ مهما طالت غربتكم في وطنكم المحتل فلسطين ،ومهما امتد أسركم، فالاحتلال إلى زوال والشعب الفلسطيني باقٍ بقاء فلسطين في كل جيل من أجيال أبناءها المخلصين.