كما في رام الله كذلك في الخرطوم، الأهم هو اليوم التالي. على رغم كل المضايقات الاسرائيلية مضى الفلسطينيون الى الاقتراع كمحطة لا بد منها للتعامل مع المرحلة المقبلة بكل ما فيها من آمال وطموحات وطنية، ومن وعود دولية. ومع أن النتيجة معروفة سلفاً إلا أن الانتخابات لا تحمل في ذاتها الحلول المرجوة للقضايا المتشعبة والمتداخلة في اطار القضية الفلسطينية.

وعلى رغم كل المخاطر المحدقة مضى السودانيون الى انجاز اتفاقهم الذي وقع أمس في نيروبي ويفترض أنه رفع الستار عن مشهد جديد يتجاوز الحرب الأهلية التي اجتازت ثلاثة عقود، ومع أن هذا الاتفاق جاء نتيجة مفاوضات طويلة وتنازلات مؤلمة إلا أنه لا يعني في حد ذاته أن السودان أنهى متاعبه بشكل حاسم، غير أنه يجب أن يساعد على مواجهة مجدية للصراعات الأخرى التي ظهرت في الآونة الأخيرة.

بعيداً عن أي اعتبارات متشائمة، يجب اعتبار أن أمس كان يوماً عربياً واعداً. فالانتخابات تبقى حدثاً تاريخياً في حياة الشعب الفلسطيني الذي كان الاسرائيليون قد أملوا أو حتى اقنعوا أنفسهم بأنهم تمكنوا من كسر إرادته والغائه وجعله مجرد شبح لا وجود واقعياً له. صحيح ان السياستين الاسرائيلية والأميركية تكالبتا كثيراً على الفلسطينيين وحقوقهم، إلا أنهما لم تتمكنا من تغيير الحقائق. وفي الأزمة التي نشأت خلال الانتفاضة طرح الرئيس الأميركي، بتوجيه من حليفه مجرم الحرب الاسرائيلي، مسألة الانتخابات وكأنها نمط معاقبة للفلسطينيين. بل طرحت بلهجة تدخل خارجي مسبق يريد أن يقصي وجوهاً لمصلحة وجوه أخرى صنفت بأن لها قبولاً أكبر أميركياً واسرائيلياً. لكن المراهنة على تنازلات جاهزة ومحسومة، يمثلها فوز هذا أو ذاك، تحمل من الأوهام مقدار ما تنطوي على نيات خداع وتخريب. فالانتخاب يعني أولاً وأخيراً مسؤولية، وأي مسؤول منتخب لا يمكن أن يقدم على التفريط مجاناً بحقوق شعبه. وفي الحالة الفلسطينية كان المحك ولا يزال في مدى استعداد اسرائيل لسلام حقيقي، ومدى صدقية الولايات المتحدة في تسهيل التوصل الى مثل هذا السلام.

أما الاتفاق السوداني، وبعيداً عن أي تشكيك، فيشكل عملياً إعادة تأسيس للدولة. فيه عقد سياسي واجتماعي جديد، فيه اعترافات متبادلة بحقائق البلد، وفيه رهان براغماتي قوي على تغليب النهج السلمي في التعامل الداخلي، وفيه اعلان طلاق مع نهج التمرد والاقتتال. من هنا، ان اليوم التالي للاتفاق يجب أن يبدأ ورشة عمل، في الشمال كما في الجنوب، للشروع في ادخال روح الاتفاق الى التفكير والممارسة. وسيكون مهماً ان يبرهن الطرفان صلابة اتفاقهما بما يشجعهما على تقليص الحاجة الى الحذر. وما دام التوقيع على الاتفاق حظي بهذه المشاركة الدولية والعربية فأضعف الإيمان أن لا يكون هناك أنشطة تحت الطاولة، أو من وراء الظهور، أو وفقاً لأجندات متنافرة ومتضادة، أي انه لا داعي لأن يواصل الجنوبيون (المتمردون سابقاً) تحريض الدارفوريين وتغذية تمردهم لإبقاء دارفور مضطربة ومتوترة بهدف إضعاف الشماليين. وينبغي أيضاً أن تبدأ الولايات المتحدة سياسة جديدة تدعم تطبيق الاتفاق ولا تشجع تمردات أخرى في الشرق أو تستمر في ممارسة الضغوط والتهديدات والعقوبات.

لا بد أن الأطراف التي شاركت في التوقيع على اتفاق السلام السوداني تدرك مسؤولياتها في إنجاح تطبيقه، فإذا واصلت التعامل مع الشأن السوداني بعقليات التدخل والتآمر ذاتها فإنها قد تزج السودان في صراعات مفتوحة لا نهاية لها. كذلك بالنسبة الى فلسطين، هناك الكثير في إنجاح «الفرصة المتاحة» للسلام مما يتوقف على المبادرات الدولية، فإذا بقي المجتمع الدولي في القوقعات التي بنتها له اسرائيل فإنه سيجازف لا بإضاعة هذه الفرصة فحسب وانما خصوصاً بفقد السيطرة نهائياً على صراع لن يحل فعلاً إلا إذا انتصر بعض مبادئ العدل والقانون، علماً أن انتصارها كلها من شأنه ان يدعم أي سلام ينشأ ويجعله بداية مشجعة للمنطقة كلها. - الحياة اللندنية -