إذا كان الحديث عن المشروع الصهيوني قد طال فأن الحديث عن لوازم المشروع لدوامه وبقائه لم يتم التنقيب عنه، وبشكل جدي لأن ذلك يعني نبش الموقف العربي الرسمي وتوضيح كثير من الخلل الذي يصل إلى حد العجز الدائم في المشروع القومي، ثم مروراً بالنخب التي تحملت عبأ القيام بالمهام القومية لتحديد عوامل الفشل وتحميلها المسؤولية الكاملة تجاه نجاح الكيان الاستيطاني وفشل مشروعنا القومي.

أن أهم سمات المشروع القومي العربي هو عودة الحقوق العربية المنهوبة، وتحديداً فلسطين وباقي أرجاء عالمنا العربي، أما الجامعة العربية، والتضامن العربي، والسوق العربية المشتركة، هي من لوازم المشروع القومي، وليست كل المشروع، فالحديث عن فشل المشروع القومي يعني الحديث عن الفشل بعودة الحق المسلوب، وأن كان الحديث عن تجارب الوحدة وفشلها، وعجز الجامعة العربية وقصورها، وعدم ولادة السوق العربية المشتركة، تعبير عن هذا العجز، ألا أن حقيقة الفعل القومي ومداه هو الأرض المسلوبة أولاً ثم التنمية ثانيةً، ولم يتم تحقق أحدى الركيزتين خلال القرن المنصرم مما يطرح السؤال المشروع عن دور المؤسسة العربية الرسمية في هذا الفشل؟؟؟

ففي الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 خاض الجندي العربي والمواطن العربي معاركهم بكل شجاعة وصدق، ولكن بقيادات مبعثرة وبأسلحة فاسدة وبجيوش فاقدة للقرارات، وما بين عام 1948 إلى 1973 لم تكن هناك معركة ألا وعوامل الانكسار والخسارة مرسومة وواضحة قبل انطلاق أول رصاصة من رصاصات أي معركة كانت وبشكل مقصود، لتبيان أو لإيهام الشارع العربي بقوة المشروع الغربي المتمثل بإسرائيل، وعجز المشروع العربي المتمثل بعودة الحق إلى أصحابه.

ففي الوقت الذي كان أعلى مدى للمشروع الصهيوني هو أن يكون معترفاً به في الوسط العربي، على أساس حدود وقف أطلاق النار لسنه 1949، إذ عدت هذه الخطوة طموح في المخطط الصهيوني نرى المؤسسة الرسمية العربية، تتجاوز الطموح الصهيوني لتفتح لهم آفاق جديدة بمزيد من بعثرة الكيان العربي.

بل بلغ الموقف العربي الرسمي مداه باللامبالاة في قضايا الأمة حيث لوحظ منذ عام 1967 ولغاية عام 2005 أن القدس لم تذكر في مؤتمرات القمة العربية سوى عام 1974 عندما وضع الزعماء العرب هذه المدينة في البند الثالث من مسودة بيانهم.

وتعد مشكلة اللاجئين من المشاكل الرئيسية والمهمة في جوهر التوازنات وتحديد مستقبل العودة والقضية الفلسطينية نرى الموقف الرسمي العربي فيه من التراخي والهروب أكثر مما يجب إذ كان مؤتمر القمة العربية المنعقد في بيروت لشهر آذار لسنة 2002، يشير في أهم بنوده (أن مؤتمر القمة العربية يحدد أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن تحل بطريقة عادلة ومقبولة من الطرفين، إسرائيل والقيادة الفلسطينية).

أي أن طرفي المعادلة هما إسرائيل المتغولة والمتوحشة بإسناد دولي، والطرف الفلسطيني المسلوب الدعم والقرار، وعلية فالشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى قرارات دولية، أو كحد أدنى ليس الشعب الفلسطيني بحاجة إلى تفعيل القرارات الصادرة بحقه فيما يخص حق اللاجئين وحق العودة، والقضية جد بسيطة فهي بين قوتين متكافئتين هما الفلسطيني والإسرائيلي، وبهذا التعتيم اللغوي هربت المؤسسة الرسمية العربية من مسئوليتها، ووضعتها على الطرف الأضعف في هذه المفوضات الصعبة.

أن التطبيع الأحادي الجانب وعلى حساب ثوابت الأمة وتاريخها، هو في حقيقته ليس تطبيعاً بقدر ما هو تنازل وسعي محموم من قبل المؤسسة الرسمية العربية لتنفيذ برنامج وكأنه معد سلفاً وليس أمامها ألا دور المنفذ المطيع لما يتم إملائه.

فمثل هذه المواقف هو الذي أنتج خارطة الطريق التي تجاهلت قضية القدس وفضلت عدم التطرق إلى مقترحات محددة بشأنها فكانت خارطة الطريق خاوية عربياً متخمةً إسرائيلياً.

وبالمقابل فالثورة الفلسطينية منذ انطلاقها كانت ثورة مهاجرة تجوب في الملاجئ بعيدة عن أرض المعركة، لا بل خاضت معارك طاحنة ودموية في المحيط العربي الذي عاشت فيه والذي مفترضاً أن تكون حاضنتها ولكنها في ذلك الموقف، كانت فاقدة للرؤيا الصائبة لانطلاق الثورة، وعندما انطلقت الثورة إلى أرض المعركة الحقيقة بعد ثلاثين عاماً من انطلاقها نكست الثورة بنادقها، وتحولت إلى سلطة محلية تخفت خلفها أبغض المشاريع الصهيونية.

ويعتبر العامل الداخلي الفلسطيني زائداً الموقف العربي قوتان ضاغطتان لتحقيق أكبر قدر ممكن من الرعاية والحماية للكيان الصهيوني مع أكبر قدر ممكن من التنازل عن الحق العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً.

وفي هذا السياق تذكر لنا الأحداث القريبة بعض وقائع منها على سبيل الذاكرة:

رفع العرب شعار خيارنا الاستراتيجي السلام ولاشيء غير السلام.

وأمام هذا الخيار الاستراتيجي، قابله خيار استراتيجي آخر من قبل المشروع الصهيوني يتمثل بتكاثر المستوطنات بمعادلة هندسية تصاعدية، مع ازدياد عدد السجناء الفلسطينيين، واستحواذ متعمد على الموارد المائية، تزايد عمليات هدم المنازل الفلسطينية، ثم تتوج هذه الممارسات ببناء الجدار العازل، (ومن يصدق أن 58% من أراضي الدولة الفلسطينية الموعودة قد ضاعت بسبب الجدار أو على وشك الضياع؟)[1] ورغم ذلك لا يزال السلام هو الخيار الوحيد، للجانب العربي والجانب الفلسطيني!!.

تعد قضية القدس، واللاجئين، والمستوطنات، والحدود، زائداً الترتيبات الأمنية والعلاقات مع الآخرين، هي عوامل بقاء الشخصية الفلسطينية والهروب منها من محفل إلى محفل ومن مفاوضات إلى أخرى هي مساعي رسمية فلسطينية وعربية لترويض الشارع الفلسطيني، بعد اجهاد مستمر من خلال نفق المفاوضات مع عوامل الحرمان الاقتصادية المقصود والمبرمجة من خلال سياسة التجويع للشعب الفلسطيني. فبعد مؤتمر مدريد وبمفاوضات طويلة تخرج للعيان اتفاقية غزة- أريحا أولاً، والتي وقعت بتاريخ 13/1/1993، والتي عرفت رسمياً باتفاقية أوسلو، حيث كانت هذه الاتفاقية خالية من النقاط الرئيسية المذكورة ومرت السلطة الفلسطينية بكم هائل من التفاهمات والقائات والصفقات والمنوارات وبعد كل ذلك لا يوجد موقف رسمي محدد بخصوص النقاط الخمس الرئيسية للقضية الفلسطينية.

وبالمقابل وبعد مرور عشر أعوام على أوسلو، يروج الجانب العربي والفلسطيني الرسمي على التمسك بخارطة الطريق التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية في 30/4/2003 برعاية لجنة رباعية تتألف من روسيا والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة، وبعد كل هذا الحشد الدولي تخرج خارطة الطريق وهي خالية من القضايا المهمة للشعب الفلسطيني، أو أن توضيح الموقف الدولي تجاه هذه القضايا، ألا وهي القدس والحدود واللاجئين والمستوطنات والعلاقة مع الآخرين ودول الجوار ستلغي حالة الخدر والآمل عند عموم الشعب العربي، ألا أن الجهود الرسمية هو السعي لتحقيق مزيد من الترويض والتطبيع للشارع الفلسطيني.

وأمام هذا الجهد الرسمي يرافقه جهد لا يقل عنه خطورة وأثر ألا وهو المبادرات الغير رسمية من قبل أطراف عربية دولية لتقديم تنازلات، أو مبادرات فلسطينية إسرائيلية لتثبيت تنازلات.

كالمبادرة التي تمت بين الوزير الفلسطيني نسيبة والإسرائيلي أيلون والتي عرفت بمبادرة البحر الميت، ثم أعقبتها تفاهمات ياسر عبد ربة ويوسي بلين والتي عرفت بمبادرة جنيف.

وهذه كتلك ولدت ميتة ولا تحمل من الحلول والقرارات للشعب الفلسطيني ألا عناوين والكلام المزدوج المنمق، يقابلها تنازلات لها بداية وليس لها قرار لتثبيت الكيان الصهيوني فقد التفت على قضايا الوضع النهائي وتحايلت على ثوابت الشعب الفلسطيني فيما يخصه بالقدس والمستوطنات والحدود وعودة اللاجئين، ومن باب التذكير بالدور العربي الفلسطيني في التنازل دون مقابل:

* فيما يخص الموقف من عودة اللاجئين أكتفت مبادرة جنيف بفقرة مموهة بل فقرة تحوي الدجل كله جاءت في البند الرابع من الاتفاقية (اختيار المكان الدائم للإقامة)، انتهت مشكلة الشعب الفلسطيني بخروج الحل السحري بان يبحث عن مكان أقامة له، وهل اللاجئون لهم القدرة على الخيار؟ وهل هناك إسناد دولي لتحقيق خيارهم بالعودة؟، وإذا انتفى الإسناد الدولي فهل هناك إسناد عربي وإسلامي لمثل خيارتهم؟. أنه ضحك على الذقون.

* تتحفنا مبادرة جنيف بموقف حول نزع السلاح في المنطقة مفادها: أن على الجانب الفلسطيني والإسرائيلي العمل سوياً ومع جيرانهم والمجتمع الدولي من أجل بناء شرق أوسط جديد آمن ومستقر وخال من أسلحة الدمار الشامل سواء أكانت تقليدية أو غير تقليدية. والسوأل المطروح أين الدولة الفلسطينية ليكون لها مثل هذا الدور؟ وكيف؟ ومتى؟ بحيث يتسنى للفلسطيني من نزع أسلحة الدمار الشامل للجانب الإسرائيلي، أليست هذه فقرة محشورة ليعطي للمتلقي العربي أحساس بالقوة ولكنه أحساس كذوب وزائف، ولا يتعدى الضجيج الإعلامي للافتتاحية للمؤتمر ذاته؟

* وتماشياً مع المثل العربي القائل - وختامه مسك- يختم لنا ياسر عبد ربه وأربع وزراء من حكومة أحمد قريع الذين حضروا ووقعوا الاتفاق فقرة على عنوانها {بنود ختامية} تحت المادة السابعة عشر والأخيرة جاء فيها (إصدار قرار من مجلس الأمن في الأمم المتحدة ومن الجمعية العامة في الأمم المتحدة يتبنيان في الاتفاقية ويلغيان القرارات السابقة الصادرة عن الأمم المتحدة) أذن هو إلغاء للقرارات: 184، 194، 242، 383، مع كل ما يتعلق بالحق العربي الفلسطيني في هذه الأرض ولم تطرح المؤسسة العربية الرسمية سوألاً بسيطاً، لم كل هذا التنازل وما هي محصلة هذا التنازل؟

أن حديثنا عن مبادرات وصفقات الوقت الحاضر لا يلغي الدور التاريخي للمؤسسة العربية الرسمية من بدايات المشروع الصهيوني، فان العلن لمثل هذه المساومات يعبر عن وصول الهيمنة الصهيونية على القرار العربي بأعلى مداه، وفي الوقت الذي ستتكشف به كل مساومات فترة التأسيس، عندها سيعرف الشارع العربي أنه لولا المؤسسة العربية الرسمية وبكل أطيافها ومراحلها وتلونها وتنوعها هي المسئولة عن هذا الانحدار المريع في أخص قضايانا وأعز قضايانا.

أن القيام بإلغاء الواقع الفلسطيني هو بالمحصلة إلغاء للبعد التاريخي للكيان العربي المتمثل بالشخصية الفلسطينية ساكنة هذه الأرض، ولم يبقى من سلاح بيد الطرف العربي ألا حقه التاريخي في هذه الأرض فهي ورقة الضغط الوحيدة التي بيد الطرف الفلسطيني، بعد أن سقطت كل الخيارات الرسمية للمواجه لدى الجانب الفلسطيني الرسمي والجانب العربي الرسمي.