الحرية والمهنية في الإعلام موضوعان مختلفان، لكن تأثير كل منهما على الآخر مسألة لا يشكك بها أحد، وارتباطهما بمدى قدرة الإعلام الفلسطيني على تأدية رسالته مسألة في غاية الأهمية.. إن ما ينقص الإعلام الفلسطيني الرسمي حقيقة هو الحرية التي يتمتع بها الإعلام الخاص والتي تسمح له بمهنية أعلى تمكنه من اختيار أطقم عمله الصحافية والفنية، وتحديد برامجه وموضوعاته بعيداً عن تأثير الدولة عليه، وبطريقة تجذب المشاهدين. إن قراءة متأنية للإعلام الخاص الذي يتمتع بحرية أعلى من الإعلام الرسمي تسمح بالقول بأنك إذا أردت معرفة الأخبار، بما في ذلك أخبار فلسطين فليس عليك سوى مشاهدة "الجزيرة" أو "العربية"، وإذا أردت أن تشاهد الأفلام فعليك مشاهدة الـ "MBC" الثانية أو "روتانا سينما"، أما إذا أردت الأغاني و الموسيقى فهنالك عشرات القنوات لها، بما في ذلك "روتانا طرب"، إلى آخر القائمة التي تجعل المنافسة للحصول على فئة من المشاهدين شديدة الصعوبة. بخارطة إعلامية كهذه فيها الكثير من المهنية والتخصص، فإن مهمة تطوير أداء الإذاعة وتلفزيون فلسطين عملية ليست سهلة .. وهنا يصبح من الضروري طرح السؤال التالي: كيف يمكن لتلفزيون فلسطين المنافسة؟ كيف يمكنه جذب الجمهور إليه؟ وكيف يمكن له من حيث الأساس التقدم للأمام وما هي الرسالة التي يجب أن يحملها؟
منذ أن استلم وزير الإعلام الحالي مهامه تصدى لهذه المهام، بالإضافة إلى غيرها بالعمل على ثلاث جبهات.. تغيرات إدارية في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، سفريات عديدة بهدف إحضار تقنيات فنية، وتدريب وبرامج جديدة للتلفزيون، وتصدٍ لتهمة " التحريض" وإيقاف البرامج التي تسيء لسمعة الشعب الفلسطيني قبل أن تسيء لغيره. وحيث إنني لا أرغب في مناقشة انجازات الوزير في هذه المجالات بحكم "ضحالة" خبرتي في الإدارة والتقنيات الحديثة، إلا أنني ارغب في طرح موضوع ارتباط الإعلام الرسمي بالدولة، فهو في تقديري سبب جميع المشاكل التي يعاني منها الإعلام الرسمي، والتغيرات التي حدثت في تقديري لا يمكنها الإجابة على الأسئلة السابقة لأنها لم تتطرق لهذه العلاقة، وما كان يجب لها أن تتم من حيث المبدأ قبل أن تتم معالجة هذه المسألة.
على بساط البحث ومنذ سنوات طويلة موضوع تشكيل مجلس أعلى للإعلام يتحمل المسؤولية عن وضع السياسات الإعلامية، وقد وعد وزير الإعلام بإحياء هذه الفكرة، وكنا نتصور أن الوزير يقصد بذلك، مجلساً إعلامياً مستقلاً من خبراء في الإعلام ومؤسسات عمل أهلي وشخصيات اعتبارية وأعضاء برلمان بالإضافة إلى ممثل عن الحكومة، تكون مهمته الإشراف على الإعلام بشكل عام ويكون البرلمان الفلسطيني هو مرجعية هذا المجلس. لكننا لم نتوقع أن تكون المسألة هي تحرير الإعلام من سيطرة "مؤسسة الرئاسة" عليه لوضعها تحت رحمة "الحكومة"، ولم نتصور أيضا أن ما قصده الوزير عندما تحدث عن مجلس أعلى للإعلام ، هو مجلس أعلى داخل الوزارة التي يرأسها.
إن من المهم التمييز هنا بين "مجلس" يتبع الحكومة، وآخر يتبع مؤسسات الدولة الأخرى مثل المجلس التشريعي أو السلطة القضائية.. في الدول الديمقراطية مثلاً لا توجد وزارة إعلام من حيث المبدأ وبالتالي فإن هذه المشكلة غير مطروحة للبحث، ويتم التعامل بين الحكومة وبين المؤسسات الإعلامية بما فيها مؤسسات إعلام الدولة من خلال مكتب صحافي حكومي، وظيفته تغطية نشاطات الحكومة وتنظيم العلاقة مباشرة مع الإعلام المحلي والدولي، سواء أكان ذلك من خلال ناطق رسمي أو عبر البيانات الصحافية التي يصدرها أو من خلال اللقاءات الدورية مع ممثلي وسائل الإعلام لتغطية قضية أو أكثر ترغب الحكومة في عرضها والدفاع عنها أو إيصالها لجمهورها.
إن هذا الشكل هو الأكثر مهنية ومصداقية لتقديم المعلومات والمواقف والسياسات الرسمية، وهو البديل لسيطرة الحكومة المباشرة على مؤسسات الدولة الإعلامية. إن دافع الضرائب الفلسطيني لا يقدم الأموال من أجل الترويج لسياسات ومواقف وبرامج قد لا يكون مقتنعاً بها، وإنما يسعى من خلال ذلك للحصول على معلومات ذات مصداقية وبرامج ترفيهية وثقافية وسياسية تهمه، ولا يمكن ضمان ذلك من خلال تبعية المؤسسة الإعلامية للحكومة، وإنما من خلال توجيهات يقررها مجلس إعلامي مستقل مكون من مختصين ومهنيين من شرائح المجتمع عامة، وهذا المجلس ، الذي يعتبر البرلمان مرجعيته الوحيدة، ويتبع له في طريقة تشكيله، هو الذي يقرر أسماء الفئة العليا من أصحاب المواقع الإدارية في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والتي على كاهلها ستقع مهمة بناء هذه المؤسسة على أسس مهنية وعلمية حديثة.
وبعيداً عن الخوض في تفاصيل أجهل بها إدارياً، فإن ما جرى حتى الآن في إذاعة وتلفزيون فلسطين لا يعكس هذا التوجه، وهو أقرب إلى الاستمرار في سياسات قديمة لا تعكس الرغبة في التجديد الحقيقي ووضع هذه المؤسسة في إطار حر، مهني يعكس الروح الحقيقية للرغبة في الخلاص من أسر المفاهيم السابقة التي حكمت توجهات هذه المؤسسة حتى الآن ومنذ تأسيسها، واقصد بذلك الصراع على المراكز وعلى اختيار الطريق في نفس الوقت للتقدم للأمام. إن تحرير الإعلام الفلسطيني من تبعية السلطة التنفيذية عليه هو الأساس ليس فقط لقدرته على القيام بتأدية رسالته كناقل للحقيقة لجمهوره، وإنما أيضا للتخلص من عدم المهنية التي تلازم مؤسسات الحكومة عادة عندما تسيطر على مؤسسات شبيهة بحاجة إلى الإبداع، والسبب يعود لطبيعة عمل الحكومة البيروقراطي، وتأثيرات عديدة أخرى تحكم قراراتها في مجال التعيين للوظائف العليا أو في اختيار البرامج. كما أن تحرير الإعلام الفلسطيني من تبعيته للدولة هو أيضا الأساس للتخلص من الادعاءات الإسرائيلية التي تظهر بين الفينة والأخرى كلما حصلت مفاوضات بان إعلامنا هو إعلام محرض، لأن الحكومة متهمة بسبب مرجعية هذا الإعلام لها. إن تشكيل هذا المجلس يحتاج إلى أرضية قانونية تتم بإقرار قانون إعلامي عصري، ينظم العمل الصحافي المكتوب، والمقروء والمسموع، ويلغي الحاجة لوجود وزارة إعلام بصفتها جهة مسؤولة عن الإعلام إدارياً ومالياً وسياسياً.
إن تعامل الحكومة مع مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بلغة الاحتكار والملكية يندرج في نفس الإطار من التعالي الذي تتعامل به مع الإعلاميين الفلسطينيين بشكل عام، فهنالك غياب حقيقي للمعلومات، مصدرها عدم وجود اجتماعات دورية مع الصحافيين وكتاب الأعمدة لاطلاعهم على الوضع السياسي بشكل عام، ولوضعهم في صورة القرارات التي تتخذها ومبرراتها، اللهم إلا في حالات قليلة جدا، ومصدرها غياب مكتب صحافي حكومي ينظم العلاقة مع الإعلام الفلسطيني بشكل عام.
إن السلطة مطالبة بتوفير السبل أيضا لمرافقة الإعلاميين وكتاب الأعمدة للقيادة الفلسطينية في جولاتها المحلية والعربية والعالمية، بما يمكنهم من أداء دورهم في تقديم المعلومات الصادقة والكاملة للجمهور الفلسطيني، وقد لمسنا ضعف هذه المعلومات وعدم توفرها في العديد من اللقاءات الهامة التي يجريها رئيس السلطة الوطنية أو رئيس حكومته. إن تطوير الإعلام الرسمي بحاجة إلى تغيير آليات التفكير القديمة، ولا يبدو بأننا نسير في هذا الاتجاه. - (الأيام 7 تموز 2005) -