بمقياس المنطق البديهي والبسيط، من المفترض ان يشعر الفلسطينيون بالابتهاج، وهم ينتظرون انسحابا اسرائيليا وشيكا من قطاع غزة، مشفوعا بمنحة مالية تصل الى ثلاث مليارات من الدولارات.. وبذات المقياس، يفترض ان يطمئن الفلسطينيون «سياسيا» بفعل الإشارات الواضحة القادمة من عواصم العالم المؤثر، والتي تعد بدولة للفلسطينيين ـ قد تكون مستقلة ـ وهذا يتوقف على حسن ادائهم لواجباتهم، المقررة من قبل العالم.

غير أن الواقع.. بمعطياته الملموسة، يبدو متناقضا مع المنطق البديهي والبسيط، حيث يلمس الجميع، خوفا من الانسحاب الاسرائيلي، وحذرا تجاه المنحة المالية ولا شك.. في ان للفلسطينيين اسبابهم الموضوعية للتخوف والحذر، بعضها مستمد من تراث العلاقة السياسية والتفاوضية مع اسرائيل، وهو تراث فيه من النكوص والخذلان اكثر بكثير مما فيه من المصداقية والالتزام.

والبعض الآخر، يستمد من التفسير الاسرائيلي الصريح، لأسباب الانسحاب ومضامينه، وهو تفسير يثير المخاوف من الخطوات التالية اكثر مما يثير الابتهاج بالخطوات الراهنة.. فالإسرائيليون يقولون جهارا نهارا، انهم سينسحبون تكتيكيا من اجل تحسين الموقف الاستراتيجي في الصراع الطويل مع الفلسطينيين.. اي انهم يضمرون صراعا طويلا ولا يخدمون حلا حقيقيا.. اي ان التساهل في غزة يأتي لخدمة التشدد في الضفة.. وهذه المعادلة وحدها تكفي لإثارة الرعب وليس مجرد المخاوف البديهية. ومخاوف الفلسطينيين، التي يشحنها على الدوام، تزايد الارتباك في اوضاعهم الداخلية، لا تعفيهم من محاولة البحث الجدي عن مداخل اكثر فاعلية للاشتراك في اللعبة الكبرى.. والتي عنوانها العام هل سيكون الانسحاب من غزة نقمة ام نعمة ـ وما هو دور الفلسطينيين في ترجيح الخلاصات؟.

الجميع يعلم، ان شارون، سينسحب من غزة، وسينهي الاستيطان على ارضها، ووفق المنطق البديهي والبسيط، فان ما سيفعل، ينبغي ان يسجل ولو رغما عنه، لمصلحة الفلسطينيين، الذين هم بدورهم يعدون بصراع طويل الأمد ما داموا بعيدين عن نيل حقوقهم.

وتجربة غزة، يجب ان ترجح فكرة الانسحاب من الضفة، وليس الخلود فيها، ولكي ترجح هذه الفكرة، فليس امام الفلسطينيين من خيار سوى انجاح الوضع في غزة ايام الانسحاب وبعده.. اي توجيه رسالة الى العالم، بأن الانسحاب هو الحل، هو مبعث الاستقرار، وهو ارض اي حل سياسي يمكن ان ينجح ويدوم. ذلك لا يتم بالبيانات وإشهار المواقف، وإنما بالسلوك والسلوك القويم في هذا الاتجاه، معروفة قواعده ومظاهره وآلياته.. وهنالك، سبب آخر للخوف الفلسطيني مما هو قادم، وهو مستمد من التحليل الموضوعي، لما يتم الآن من خطوات دولية، وآخرها اقرار ثلاثة مليارات دولار في قمة الثمانية لخدمة العملية السياسية على المسار الفلسطيني الاسرائيلي، تلك العملية التي لا تزال تراوح في دائرة التهدئة الضيقة والهشة، دون ان تتطور الى ما هو اكثر تقدما على الصعيدين الأمني والسياسي. لقد عانى الفلسطينيون ـ الذين تلقوا مبالغ طائلة من العالم كمساعدات.. من النتائج العكسية للمبادرات الناقصة، ورغم اهمية الدعم المالي الذي يحصلون عليه واقرارهم الجماعي بجدواه، الا انه في غياب العمل السياسي الدءوب والفعال ـ يتحول من وقود لعملية سياسية كما هو مفترض ـ الى مجرد حقن تخدير، تسكن الألم وتريح المصاب قليلا او كثيرا ولكنها لا تنهي الداء، ولا تضع حدا للكوارث المتفاقمة.

ان تقديم المال.. امر ايجابي، والتوجه نحو التنمية وتوفير اسباب الحياة الكريمة للفلسطينيين، امر ضروري ، بل انه شرط جوهري، لكسب معركة الحرية والاستقلال وبناء المجتمع والدولة، غير أن ما يتطلع اليه الفلسطينيون قبل ذلك وبعده، هو رؤية الأفق الحقيقي للدولة الموعودة، وهو رؤية احتشاد دولي على ارض الصراع من اجل الحل وليس من اجل التوسط لدى شارون لتخفيف قبضته مع احتفاظه بحق النقض، يشهره وقتما يشاء في وجه اي حل لا ينسجم مع تطلعاته وشهواته ومخططاته.

وهنا ـ يتعين على الفلسطينيين ادارة اللعبة، ليس فقط بإشهار منطقية المخاوف والمحاذير، وإنما بالابتعاد عن منطق الاستثمار الساذج للانسحاب، واستبداله بمنطق أكثر عمقا، يضع في الحساب المهام القادمة، قبل الاقتتال الكلامي على من كان الاكثر صوابا في ادارة الصراع خلال حقبة الانتفاضة. ويتعين على الفلسطينيين كذلك، ان يدركوا والمعني هنا، القوى السياسية جميعا.. ان اضواء العالم الكاشفة، تتركز بقوة على غزة، لرؤية كل حركة وسكنة تجري فوق هذه البقعة المفصلية في الشرق الاوسط، سيراقب العالم ـ الذي هو الممول المالي ـ كيف ستعمل مؤسساتنا، وكيف سيكون اداء اجهزتنا، وكيف سنواصل مسيرة الديمقراطية بالانتخابات. وكيف سيكون حال القانون والقضاء على ارض لا وجود للاسرائيليين عليها، ومحصلة ما سيراه العالم من اليوم الى ما بعد الانسحاب بكثير، سيحدد درجة الاهتمام الدولي بما يجب ان يحدث في الضفة. وعلى صعيد الحل المرحلي ثم النهائي.