يقول المثل الروماني الشهير بأن "الطريق الى جهنم معبّد بأعمال الانسان الصالحة" وذلك تعبيرا عن أي مفارقة مؤلمة تجمع بين حسن النوايا وقباحة نتائجها. وأعمال الانسان الصالحة التي يسعى اليها أملا في الخلاص أو طمعا في الثواب قد تكون في شكل خدمة للمفاهيم الكبيرة البراقة التي تخفي تحت لمعانها أقبح الوجوه والنوايا المتسترة .لعل من أكثرها تداولا هذه الأيام مفهومي الديمقراطية والتطبيع التي تروج لهما أمريكا وتتذرع بهما اسرائيل للتملص من التزاماتها السياسية والأخلاقية على حد السواء . فالديمقراطية التي تحملها أمريكا الى المنطقة على ظهور دباباتها وفوق أجنحة طائراتها النفاثة لتنثرها في تربة العراق وأفغانستان لا تخدم في الواقع سوى أمريكا وحليفتها . فقد كان لا بد من وجود عراق وأفغانستان أو بالأحرى كان لا بد من وجود طالبان وصدام حسين حتى تجد أمريكا ذريعة لدخولها العسكري وبسط نفوذها المباشر .فكلا النظامين صناعة أمريكية لاقت في الماضي الغير بعيد كل الدعم الأمريكي اللازم للنمو والتضخم إحداهما لوقف إنتشارالنفوذ الشيوعي السفياتي بحجة محاربة الاسلام للكفر والكفرة ، والثانية لصدّ توسع الثورة الايرانية الاسلامية كمشروع وحدوي ديني وحضاري وخنقها في مهدها بحجة محاربة القومية العربية للأصولية والرجعية السلفية . وكان لا بد في وقت من الأوقات التخلي بل ومحاربة هاتين الآداتين اللتين انتهى دورهما ولم تعودا قادرتين على التماشي مع المصالح الأمريكية خصوصا بعد ان انقلب السحر على الساحر أول شعوره بالخطر . أما بقية الأنظمة فقد أصبحت تنتظر دورها في سوق الرضا الأمريكي حتى تمنح "صكّ الديمقراطية " الموعودة وتدخل جنتها بسلام المستسلمين ، أو تبقى على الصراط المؤدي الى جهنم الإرهابيين والبرابرة وتغلق دونها الأبواب بالشمع الأحمر .

أما التطبيع فهو أكبر من مفهوم أو كلمة وأكبر من فورة عابرة أو (موضة ) مؤقة في عالم أزياء السياسة .بل هو مشروع بعيد المدى ومنظومة فكرية حيكت بإتقان في سراديب المؤسسات المخابراتية والدراسات المستقبلية لنشرها وتزيينها وإلباسها ثوب ملاك الرحمة المنقذ من الضلال . لعل من أهم مخاطرها هو خلق فجوة فكرية لفصل الماضي عن الحاضر والماضي القريب عن الماضي الأكثر قربا عن طريق مروجين محترفين ومثقفين ورجال قلم بعضهم أخضع للاغراء او الابتزاز وبعضهم الى عملية غسيل دماغ محكمة في انتظار أن يصدّرها لتحقق العدوى في أدمغة أخرى وقليل منهم بحسن نية ساذج لم يقابله أي حسن نية مماثل من الطرف المقابل .ويتم الترويج للتطبيع عن طريق خلق بدائل جديدة للقناعات والمثل القديمة التي يقع تمييعها وتهميشها أو تفتيتها أو تشويهها .ومن جملة ما يسعى إليه هو استبدال ثقافة النضال ضد الآخرالمعتدي بثقافة التسامح والانفتاح عليه لتجريد العناصر المقاومة من بعديها السياسي والاجتماعي ومن المد البشري الذي تتغذى منه ومحاولة تصويرها بشكل بدائي بربري أو في أحسن الأحوال في صورة فلكلور شعبي أثبت فشله وعدم جدارته في حل مشكلات العصر. وبذلك يجعلها معزولة وسط مجتمع لم يعد يؤمن بها او حتى يقدر تضحياتها الجسام من أجله .وحين تفرض أمريكا على العالم شرعية حقها في قطع آلاف الأميال خارج حدودها لتصد عن طريق القنابل و الأورانيوم المخصب الهجمات ضدها قبل وقوعها . علينا نحن أن نلتزم حدود الحضارة ونحني رؤوسنا بكل أدب لتقبل الهجمات عن طيب خاطر ورضا ونمد أيدينا لملامسة جنة التطبيع مع اسرائيل التي لا تزال غير متؤكدة من حسن نوايانا تمد أطراف أصابعها نحونا بحذر شديد وتطالب بمزيد من البراهين التي كلما قدمناها كلما تملصت من وعودها مطالبة ببراهين أقوى ، لنجد في النهاية أن طريقنا الى جهنم الاستسلام معبد بأعمال (الديمقراطية والتطبيع ) الصالحة .

فهل من طريق الى الجنة معبد باعمال الانسان السيئة؟

المنار(16/7/2005).