في معرض رده على سؤال لمذيعة إحدى المحطات الإذاعية بعيد إعلان اتفاق أوسلو قال الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات : الكل سيرجع !
ردت إحدى الجالسات معنا معلِّقة : ولماذا خراب البيوت ، لقد رتبنا حياتنا وأمورنا هنا (تقصد إحدى الدول العربية التي لجأت إليها وأسرتها بعد 67)، تذكّرت هذا الكلام عندما قرأت في إحدى الصحف العربية وبخط عريض على لسان أحد الفلسطينيين المقيمين في الدولة التي تصدر فيها تلك الصحيفة : فلسطين لن أعود إليها حتى لو تحرَّرت.
لا ننكر أن هناك الكثير من اللاجئين الفلسطينيين يفكرون بهذه الطريقة أي تسيير أمور حياتهم ، ولكن هذه النماذج مهما كثرت هل يلغي ذلك حق العودة لفلسطين ؟
مما لا شك فيه أنه وعبر سنوات طويلة كانت حياة غالبية اللاجئين الفلسطينيين مليئة بالمشاكل والمعاناة بأشكال مختلفة –من فرص العمل إلى التعامل بدونية معهم ، من حق امتلاك بيت يؤوي الأسرة إلى التعليم وإلى غيرها من المشاكل ناهيك عن المشاكل المتعلقة بالسفر والمعاناة عبر نقاط الحدود عند كثير من الدول ولم يكن من المسموح الحديث عن هذا ! وكثيرا ما عانى كتاب وأدباء لمجرد الإشارة إلى ذلك ، فلماذا الحديث وبهذه الطريقة عن هذا الموضوع الآن ، هل انتهى الفلسطينيون من تهمة بيع أراضيهم إلى تهمة تنازلهم عن حق العودة وسعيهم إلى التجنًّس واكتساب جنسية ؟
ولماذا في هذا الوقت بالذات ؟ هل هو تمهيد لبدء تجنيس الفلسطينيين في الدول العربية المختلفة بحجة أنهم هم الذين يريدون ذلك بينما الأمر في الحقيقة هو تنفيذ لرغبات أمريكية وإسرائيلية !
عدم تجنيس الفلسطينيين في الدول العربية كان بطلب سابق منذ سنوات طويلة من منظمة التحرير الفلسطينية وأسبابه معروفة ، ومن المعروف أن التجنيس في الدول العربية أخطر من التجنيس في دول غير عربية إذ أن من السهل على الفلسطيني أن يذوب في هذه المجتمعات بحكم التقارب الشديد في العادات والتقاليد وتشابه اللغة والدين في الغالب ، أما في حالة الجنسية في الدول الأجنبية فعملية الانصهار أو الذوبان في المجتمع الجديد تبقى غير واردة عند الأغلبية بل ربما بالعكس يكون الفرد في الغالب أحرص على التمسك بأصله وتأكيده بطرق شتى!
كان من الأجدى بوسائل الإعلام بدل أن تظهر صورة الفلسطيني بأنه يريد التجنس هكذا أن تبحث عن أسباب هذه الظاهرة وأن توضح المعاناة التي يعيشها ، ثم تعرض النموذج المقابل والسؤال وقتها سيصبح كيف نساعد الفلسطيني على تثبيت التزامه الوطني وتمسكه بحقوقه وتثبته بحق العودة لا الاستمرار في قهره والضغط عليه ثم في النهاية عرضه على أنه يقول بأنه هو الذي يريد التخلي عن حق العودة.
كثير من الدول العربية رسميا يقال ويعلن أن الفلسطيني فيها يعامل معاملة ابن البلد وكثيرا ما سمعنا هذا الكلام ولكن الواقع يقول غير ذلك .
التمسك بالوطن وحب الوطن من البديهيات عند الإنسان والفلسطيني لا يشذ عن هذا ولا أعتقد أننا نحتاج لإثبات ذلك ، أيضا الثابت والمشاهد في كثير من الأحيان ان التجنس لا يلغي الالتزام الوطني عند الكثيرين وإنما هي مجرّد طريقة لتسيير وتسهيل أمور الحياة وكثيرا ما شاهدنا كتابا وإعلاميين وأدباء يحافظون على التزامهم الوطني ويدافعون عن قضيتهم الفلسطينية ويقدمون على أنهم فلسطينيون مع أنهم يحملون جنسيات أخرى .
حقا الالتزام الوطني لا تحدده بعض أوراق صادرة وموقعة من هنا أوهناك ، الالتزام الوطني ضمير ومبادئ أولا وأخيراً .