(1)
من قال ان بني يعرب ينتقلون من هزيمة الي هزيمة وهم قد حققوا علي الاقل انتصارا مبينا واحدا وهو منع توطين الفلسطينيين في اي بلد عربي؟ لقد وجه العرب أكبر هزيمة للعدو الصهيوني حين قام فرسان بني يعرب المغاوير بفرض الحصار علي اللاجئين الفلسطينيين، والزموهم مدن الصفيح، وحرموهم من التنقل والعمل، وامطروا المخيمات من حين لاخر بوابل من القنابل للتذكير بمأساة الشعب الفلسطيني الذي شرده الصهاينة.
(2)
أي ضربة أكبر من هذه يمكن ان توجه الي السفاح شارون وتمرغ انفه في التراب؟ الا يكفي ان يري اطفال اللاجئين الفلسطينيين يتعذبون ليل نهار في مدن الصفيح، يبيتون علي الطوي ويصبحون، او يفترشون العراء عند معبر رفح (علي الجانب المصري طبعا)؟ الا تشعره هذه المناظر بتأنيب الضمير وتفضحه امام الملأ، وتذكره بما جنت يداه واسلافه في حق الشعب الفلسطيني المظلوم؟
(3) ولكن للأسف ليس كل العرب علي نفس المستوي من الاخلاص للقضية، فهناك الخونة والمرتدون، مثل حكام الاردن الذين سولت لهم أنفسهم منح الجنسية للفلسطينيين ومساواتهم باخوانهم المواطنين. وهناك ـ يا للفضيحة ـ الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) الذي طالب مؤخرا بتجنيس الفلسطينيين في الدول العربية. ما هذا التنكر للعروبة؟ هل يراد للدول العربية ـ لا سمح الله ـ ان تتبع سنة الدول الامبريالية المعادية للعروبة والاسلام مثل امريكا وكندا والدول الاوروبية التي تمنح الفلسطيني (وكل عربي متنكر لعروبته) الجنسية وحق المواطنة الكاملة، وذلك بقصد تذويب العرب والقضاء علي هويتهم وتصفية القضية الفلسطينية؟
(4)
العرب الذين سبقوا العالمين بابتكار سلاح التفجيرات الانتحارية (مع الاعتذار لليابانيين ونمور التاميل) سبقوا كذلك في ابتكار عبقري آخر وهو تحميل الضحايا مسؤولية مواجهة الخطر الذي يتهدد الجميع. وهذا ابتكار له مزايا عدة لا يعرفها الا الاذكياء، فهو اولا يوجد العذر للحكومات حين تتساءل الشعوب عن الفشل في التصدي للعدوان، وذلك بالقول ان هذه معركة الفدائيين وحدهم. وهو ايضا مفيد اذا احتاج الامر الي ضرب هؤلاء الفدائيين من اجل تحقيق مصالح عليا مثل رضي الأكابر، واكبر فائدة لهذا الاختراع هو انه حين يتم التغلب علي سكان المخيمات ووضعهم في الاسر وفرض الاستسلام عليهم، فانه يصبح من السهل علي الجميع ان يقولوا: هل نصبح فلسطينيين اكثر من الفلسطينيين؟
(5)
ولكن أفضل ابتكار يبقي هو زيادة معاناة الفلسطينيين بكل وسيلة ممكنة، نكاية في العدو، وعسي ان يرق قلب شارون ويتعطف علي العرب بتسوية، وايضا حتي لا يقع الفلسطينيون في اغراء التنكر لوطنهم والتخلي عن القضية، والركون الي الدعة، في البلدان العربية، خاصة وان سكان تلك البلدان يفرون منها بالملايين.
(6)
بعض الجهال قد يتساءل: اذا كان الفلسطيني لا يتعلق بوطنه حبا فيه، وانما هربا من الجحيم الذي يحاصره به الحكام العرب، الا يستحق هذا الفلسطيني الفاقد للولاء لوطنه عقوبة التوطين في الدول العربية جزاء وفاقا لما كسبت يداه؟ ولماذا في هذه النقطة بالذات يكون البعض فلسطينيا اكثر من الفلسطينيين بخلاف ما يحدث في الهرولة؟ واذا كان الفلسطيني لا يريد ان يكون فلسطينيا الا اذا سيق بالعصا والسيف، فلم اذن كل هذا التعب والصراخ حول قضية فلسطينية لا وجود لها؟ - (القدس العربي 23 تموز 2005) -