كنا في سياق حديث مُضنٍ، عن فظاعة قتل الأبرياء، من عابري السبيل في لندن، بصرف النظر عن أجناسهم أو ألوانهم أو جنسياتهم، فأصبحنا بصدد حديث بديهي، عن آثام ومآرب قتل المصطافين العرب والمسلمين، وقتل جنود ورجال الشرطة من الأشقاء المصريين، وقتل الباحثين عن الرزق، من البسطاء الذين يعولون عائلات، فضلاً عن البعض القليل من الضيوف الأجانب، الذين اختاروا تمضية إجازاتهم، ليس في تل أبيب أو قبرص أو بلغاريا أو اليونان أو غيرها، وإنما في مدينة سياحية مصرية، يُراد لها أن تنتعش، وأن تكون أيقونة سلام، لكي تساعد في فتح مجالات رزق، ولكي تساعد في الدخل السياحي!
من العبث أن نتعب أنفسنا، في البحث عن قضية لهؤلاء الذين أوقعوا الضحايا في شرم الشيخ. فلن تكون هناك قضية، لأمثال هؤلاء، بل إن تفجيرات بهذا الحجم، وفي هذا الظرف العربي الملبد، تثير الشبهات حول الهدف الحقيقي للفاعلين، وحول مآربهم وهويتهم. ذلك لأن ما قاموا به، لن يفعله سوي أعداء الأمة، وأعداء الإنسانية، الذين لا علاقة لهم بأي شرف أو بأي دين!
ہ ہ ہ
إن كانت هناك شواهد كثيرة، علي أن مصر مستهدفة، فإن هذه التفجيرات، تؤكد علي أن مصر باتت في موضع الاستهداف الخطير، لأنها كبلد ومجتمع، اختزنت معرفة عميقة بقضايا الأمة، وتمسكت بمواقفها وبوجدانها، ولم تشطب ذاكرتها، بالتالي فإن المتربصين بشعوبنا وبكرامتنا وبأرزاقنا، لا يريدون لمصر أن تقف علي قدميها، فتراهم يدفعون عبر كل قنوات الضغط، وبذرائع شتي، اي اتجاه زعزعة استقرار هذا البلد، ولضرب اقتصاده، واهمين بأن مصر ستنحو الي الاستجداء، والي بيع إرادتها. فليست هناك قراءة سياسية أخري، لمثل هذه الجرائم الشنيعة، التي أحزنت كل قلب نظيف!
فلا معني لإدراج المعالجة المنطقية، لأحداث من هذا النوع، في خانة الاعتراضات والتحفظات علي نظام الحكم، مثلما فعل سياسيون وحزبيون مصريون، عندما ظهروا علي الفضائيات. إن وجهة نظرنا، تقطع بأن ما يقوله هؤلاء، من كلام عن أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية، لا علاقة له بالموضوع، باعتبار أن الضحايا هم من النساء البسطاء، وأن الخاسر هو اقتصاد المجتمع، وأن الزعزعة لاستقرار بلد، لن تستفيد أية قوة سياسية من زعزعة استقراره، اللهم إلا إن كان إلحاق الأذي، بدون تفكير، هو المبتغي!
ہ ہ ہ
لنفترض أن جماعة مهووسة، تتلطي بالدين الإسلامي، هي التي اقترفت التفجيرات، ونتساءل: ما هو الشييء الضائع، لمثل هذه الجماعة، عند بلد كمصر، لم يؤيد غزو العراق، وحذر من انفتاح أبواب جهنم، إن حدث الغزو، ولم ترسل جيشاً الي العراق، وأفسحت مجالاً لحرية التعبير، وتقدمت علي طريق التطور الدستوري والسياسي، وانتهي أمر الجماعات الإسلامية المسلحة فيها، الي إصدار مطولات نظرية، تحت عناوين التوبة والاعتراف بالخطأ؟ هناك شييء رابط، بين أعمال كهذه، والشيطان الذي لا يريد لأقطارنا ومجتمعاتنا أن تستقر وأن تنمو. ففي هذا الشييء الرابط، تكمن المؤامرة. فقد كنت شاهداً علي سنوات الرعب في الجزائر، وحضرت جنازات ومآتم عزاء الكثير من الضحايا الأبرياء، بالمتفجرات وبالذبح البشع. ومع استقرار كل ضحية بريئة، في قبرها، كان اليقين يزداد بأن الجزائر تُعاقب علي أيام مؤازرتها لحركات التحرر، وتعاقب علي استضافة المجلس الوطني الفلسطيني مرتين بعد حرب الخليج الثانية، وتعاقب علي دورها الأفريقي، وتعاقب علي تطور أبحاثها النووية للأغراض السلمية. وبلغ الإحساس بحجم جريمة الإرهاب، مداه الأقصي، عندما شاهدت بأم عيني، مصرع التلميذة المتفوقة إيمان زميلة ابنتي في المدرسة، فيما هي صائمة أحد الأيام الستة، من شوال، وهي أيام صوم الصابرين باللهجة الجزائرية!
اليوم، يُراد لمصر، من خلال قنوات وفعاليات عدة، أن تطوي شرعية ثورة 1952 التي تزامن ذكراها، مع يوم التفجيرات. فالرياح العاتية تهب علي المنطقة، وتتدرج التعبيرات، من شكل التطلب السياسي الناعم، لنخب حزبية وأرستقراطية تُخفي مواويلها أكثر مما تعلن، الي شكل التفجير الإجرامي، الذي يعلن بقدر ما يُخفي. من هنا نجزم بأن مصر مستهدفة، ولا يُراد لها أن تستقر، مثلما نجزم بأنها أقوي من كل هذه المكائد والجرائم، وبأنها لن تنحو الي الاستجداء، وبأنها ستظل واقفة، تؤدي دورها العربي! - القدس العربي 25 تموز 2005) -